إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
[المطففين: 29-36]. يعني: هل قدرنا أن نجازيهم على أفعالهم وإجرامهم؟ وكأن الحق سبحانه يريد أن ينبه أهل الإيمان، وأن يطمئنهم إلى عدله سبحانه، فلن يفلت هؤلاء من العقاب، ولا شك أن عقاب أهل الإجرام وأهل الكفر يريح أهل الإيمان. وتأمل هنا أيضا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: ﴿ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.. ﴾ [غافر: 5] ولم يقل برسولها قياسا على أن الأمة مفرد مؤنث، إنما قال ﴿ برسولهم.. ﴾ [غافر: 5] فأضاف الرسول إلى جمع المذكر، ذلك لأن المواجهة بين الإسلام والكفر كانت بالرجال ولم تكن المرأة طرفا في هذه المواجهات بدليل أنهم لما بيتوا لرسول الله ليلة الهجرة كانوا جميعا من الرجال ولم يكن بينهم امرأة واحدة، كذلك الحال في ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.. ﴾ [غافر: 5] فهذه أمور لا دخل للمرأة فيها.
40.6
حقت أي: وجبت وثبتت ولم يأت واقع لينقضها، لماذا؟ لأن الذي قالها يعلم ما يكون بعدها، وخاصة إذا كان الذين يعملون لهم اختيار في أن يعملوا أو لا يعملوا. فالله تعالى قالها وحكم بها عليهم وهم في بحبوحة الدنيا وفي زمن الاختيار، ومع ذلك لم يخالفوها، وهنا موضع العظمة في كلام الله، العظمة أن أتحداك في أمر لك فيه اختيار، ومع ذلك لا تخرج عما حكمت عليك به. ومثل هذا قلناه في قوله تعالى في شأن أبي لهب وزوجته:
تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد
[المسد: 1-5]. فالحق سبحانه وتعالى حكم عليهما بالكفر، وأن مصيرهما النار مع أن الإيمان والكفر أمر وكل الله اختياره للعبد بدليل أن أمثال أبي لهب من كفار مكة أسلموا مثل: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة وغيرهم، وكان في إمكان أبي لهب بعد أن نزلت هذه السورة أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يقولها ولو نفاقا، لكن لم يحدث وصدق فيه قول الله تعالى. وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله:
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..
[الأنفال: 24] فقلبه يحدثه بالشيء إنما العظمة الإلهية تحوله عنه. لذلك قال تعالى لأم موسى:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني..
[القصص: 7] فالقياس العقلي لا يقبل هذا الحل وأي عاقل يقول: إن المرأة إذا خافت على وليدها تلقيه في البحر؟ لكن هنا أم موسى لم تسمع لصوت العقل ولا تأثرت بعاطفتها نحو وليدها، إنما سمعت لقول ربها، سمعت لهذا الوارد الأعلى الذي لا يعارضه أي وارد شيطاني أسفل فلم تتردد أبدا في أن تلقي بوليدها في البحر، لأن الله تعالى حال بينها وبين عاطفة قلبها. كذلك الحال في قصة سيدنا موسى مع فرعون، فقد أخبر الكهنة فرعون أن زوال ملكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل، فماذا فعل فرعون - لتعلموا كيف كانت عقلية الذين ادعوا الألوهية، وكيف أن الله تعالى يحول بين المرء وقلبه، ماذا فعل فرعون؟ راح يبحث عن الأطفال ويقتلهم، وهو لا يعلم أن الله يدخر له هذا الغلام فيأتيه ويطرق بابه وهو في مهده على الهيئة التي تعرفونها، ومع ذلك يطمئن إليه ويتخذه ولدا له، وتقول زوجته
قرت عين لي ولك..
[القصص: 9] فيأخذه ويربيه في بيته، هذا معنى
واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..
[الأنفال: 24]. إذن: فقوله تعالى: ﴿ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ﴾ [غافر: 6] ما حقت عليهم بقهر وجبروت، إنما حقت عليهم باختيار منهم، والحق سبحانه وتعالى بعلمه الأزلي علم اختيارهم، فحكم عليهم بسابق علمه فيهم، ولا يمكن أن يأتي واقع يخالف هذا الحكم لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله.