تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.3

يريد الحق سبحانه ألا ينفصل خلقه عنه مهما كثرت ذنوبهم وغلبتهم شهواتهم، يريد سبحانه أن يعطفهم إليه ويجمعهم في ساحته، لذلك فتح لهم باب التوبة والمغفرة وبسط لهم يد العفو والتسامح، ثم لوح لهم بعصا العقاب حتى لا يغتروا، وهذا المنهج يعود نفعه على الكون كله وعلى الفرد خاصة لأن صاحب الذنب لو علم ذنبه لن يغفر لتمادى فيه وأكثر وعربد في الكون وأفسد، وساعتها سيشقى به المجتمع، وخاصة أهل الإيمان. لذلك كانت هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن الكريم كما قال سبحانه في أواخر سورة الزمر:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]. وقلنا: إن هذه الآية وأمثالها لا تتعارض وقوله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..

[النساء: 48] لأن الكفر ليس ذنبا، لأن الذنب أن تخالف أمرا مأمورا به أو منهيا عنه من المشرع الأعلى سبحانه، أما الشرك بالله فهو خروج عن الإيمان أصلا فلا يقال له مذنب. والحق سبحانه كثيرا ما يذكر عباده بمغفرته وقبوله للتوبة حتى لا ييأس أحد من رحمته تعالى، فقوله تعالى:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..

[الزمر: 53] لم يقلها الحق سبحانه إلا وهناك من أسرف على نفسه ويئس من رحمة ربه، لأنه بالغ في الذنوب حتى ظن أنها لن تغفر. من هؤلاء وحشي قاتل سيدنا حمزة، لأنه بعد أن قتله أحس بذنبه وعظم جرمه، وأيقن أنه هالك لن يغفر الله له، لذلك البعض يقول إنه ذهب لرسول الله يسأله في هذه المسألة وكذا وكذا، لكن الواقع أنه كان في مكة والآية نزلت في المدينة لكن نقلت إليه فلما سمعها آمن وأسلم. ويروى أن وحشيا قابل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: ما كنت أود أن أراك لولا أنك جئت مستجيرا وربي يقول:

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه..

[التوبة: 6]. فقال: وأنا مستجير بك حتى أسمع كلام الله، فقرأ عليه رسول الله:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]. فقال: لكن الله يقول:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا..

[الفرقان: 70] وأنا لا أضمن أني أعمل عملا صالحا، فقرأ عليه رسول الله هذه الآية: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول.. ﴾ [غافر: 3]. ومن هؤلاء الذين أصابهم اليأس من رحمة الله عياش بن أبي ربيعة، فيروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه لما أراد أن يهاجر اتفق مع عياش وهشام بن العاص بن وائل السهمي على أن يهاجروا معا وأن يجتمعوا عند بئر غفار، فإذا حبس واحد منهم انتظروه، فلما جاء الموعد لم يأت عياش حيث حبسه أهله عن الهجرة ثم فتنوه ففتن ولم يهاجر مع صاحبيه، فحصل له يأس من رحمة الله.

فلما نزلت هذه الآية:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله

[الزمر: 53] تذكر عمر صاحبه عياشا الذي فتن وتذكر أنه التقى معه على الإيمان في يوم ما، وأنه كان ينوي الهجرة إلا أن أهله فتنوه فرق له قلبه وبعث إليه بهذه الآية ليطمئن ويعود إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿ غافر الذنب ﴾ [غافر: 3] أي: الذي سلف ﴿ وقابل التوب ﴾ [غافر: 3] أي: عن المعصية التي استقبلها ﴿ شديد العقاب ﴾ [غافر: 3] لحكمة يقرن الحق سبحانه بين المغفرة والعقاب حتى لا يتواكل الناس وحتى لا يغتروا برحمة الله، فالدين يقوم على الخوف والرجاء، وهما كالجناحين للطائر لابد منهما معا ﴿ ذي الطول ﴾ [غافر: 3] كما تقول يعني إيده طايلة يفعل ما يشاء، فالله ذو الطول أي صاحب الفضل والإنعام يعطي ويتفضل بما يشاء على من يشاء إلا يرد عطاءه أحد، لذلك ورد في الدعاء: " لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ". فإذا قال الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٣٨