تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسبق أن أوضحنا أن الكلمة تطلق على اللفظ المفرد، وتطلق على الكلام ومن ذلك قوله تعالى:

كلا إنها كلمة هو قآئلها..

[المؤمنون: 100] وقوله سبحانه في الذين قالوا

اتخذ الله ولدا..

[يونس: 68] قال:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا

[الكهف: 5] ونحن نسمي الخطبة الطويلة كلمة. فالكلمة التي حقت ووجبت وثبتت ليست مطلق كلمة، إنما هي ﴿ كلمة ربك.. ﴾ [غافر: 6] وكلمة الله لا بد أن تحق ولا بد أن تثبت، وما كان الله تعالى ليقول كلمة، ثم يأتي واقع الأحداث ويكذبها، والكلمة التي حقت على الذين كفروا هي ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ [غافر: 6].

40.7

هؤلاء هم الملائكة الذين خلقهم الله لتسبيحه سبحانه، فلا عمل لهم غير تسبيح الله وهم حملة العرش ومن حوله. والتسبيح كما قلنا من المقاليد، ومعنى ﴿ يسبحون بحمد ربهم.. ﴾ [غافر: 7] أي: ينزهونه سبحانه عن مشابهة خلقه في الأسماء والأفعال والصفات. لذلك قلنا: إذا اشترك الحق سبحانه مع خلقه في شيء فلا بد أن نأخذه في إطار

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. فلله فعل ولك فعل، لكن لا تقس فعلك بفعل ربك سبحانه، وهذه المسألة أوضحناها في شرح أول سورة الإسراء، فلما كان الحدث مستغربا بدأ الله تعالى السورة بالتسبيح

سبحان الذى أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] قالها بداية حتى لا نقيس فعل الله على فعل البشر ولا قدرة الله بقدرة البشر، فلله تعالى فعل ولك فعل، لكن فعل الله ليس كفعلك، فإياك أن تقول المسافة والزمن. وكلمة سبحان الله تعني تنزيه الله تعالى عن كل ما يشبه البشر، لذلك قالوا: كل ما يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، وهذا التنزيه ليس طارئا بوجود من ينزه الله إنما هو أزلي قبل أن يخلق الله من ينزهه، فهو سبحانه منزه في ذاته قبل أن يوجد من ينزهه. لذلك لما وجدت السماء والأرض قال:

سبح لله ما في السموت والأرض..

[الحديد: 1] أي: سبحوا الله ساعة خلقوا فقالوا: سبحان الله الخالق العظيم، ولا يزالون يسبحون، كما قال:

يسبح لله ما في السموت وما في الأرض..

[الجمعة: 1] فالتسبيح موصول دائم، فإذا كان الكون كله سبح لله ولا يزال يسبح، والكون مخلوق لك أيها الإنسان فأنت أولى بالتسبيح منه، لذلك قال:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]. وتسبيح الله تنزيه له سبحانه في أفعاله وفي صفاته، فحين تتأمل مثلا مسألة الخلق تجد خلق الإنسان من طين، فهل يمكنك أن تأخذ قطعة من الطين فتسويها على هيئة إنسان ثم تنفخ فيها أنت الروح؟ هذه العملية لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. لذلك سيدنا عيسى عليه السلام لما أراد الله أن يجعل له آية ومعجزة في مسألة الخلق قال:

أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله..

[آل عمران: 49] فقال في نفخ الروح

بإذن الله..

[آل عمران: 49] لأنه بذاته لا يستطيع هذه العملية، إنما كوني أصور تمثالا على هيئة إنسان أو طائر فهذه مسألة سهلة. إذن: كان عليك أيها الإنسان الذي كرمه الله، كان عليك أن تسبح، لأن الكون والجماد الذي خلقه الله لك سبح وما يزال. وقوله تعالى: ﴿ الذين يحملون العرش.. ﴾ [غافر: 7] هم الملائكة حملة العرش. إذن: العرش محمول، وهؤلاء الملائكة حتى عددهم فيه إعجاز، فالحق سبحانه أخبر أنهم ثمانية

ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية

[الحاقة: 17]. فلماذا لم يجعلهم أربعة فيكون كما تعودنا في أي بناء له أربعة أركان، ولماذا لم يكونوا خمسة مثلا. إذن: لابد أن في هذا العدد بالذات حكمة وإعجازا. وهذا الإعجاز العددي واضح أيضا في قوله تعالى:

عليها تسعة عشر

[المدثر: 30] فلماذا تسعة عشر بالذات؟ لماذا لم يجعلهم عشرين مثلا، هذا دليل على أن وراء هذا العدد حكمة، وقد أخبر الله تعالى أن هذا العدد فتنة

وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٤٧