40.58
نعم لا يستوي من يهمل آيات الله ولا يتأملها مع من يفكر فيها ويستنبط منها ويهتدي بها، فالذي لا يتفكر في هذه الآيات مثل الأعمى لأنه لا يتنبه لآيات الكون التي هي أكبر من خلق الناس، وإذا كانت هذه الآيات الكونية أكبر في الخلق وأعظم من خلق الناس، فكيف تغفل عنها، ومنها يمكن أن تأخذ الدليل على وجود واجب الوجود الأعلى سبحانه، وعلى طلاقة قدرته وإبداع صنعته. وكما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي عند الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع المسيء، وهذا مظهر من مظاهر عدله سبحانه: ﴿ قليلا ما تتذكرون ﴾ [غافر: 58] يعني: قليل منكم من يتذكر ذلك.
40.59
يذكرنا الحق سبحانه بهذه الحقيقة التي طالما تغيب عن الأذهان، وكان يجب عليكم ألا تغفلوا عنها، لأن المسألة ليست مجرد علم بشيء، إنما المسألة أبعد من ذلك، إنه احتياط لما سيحدث ولما سيأتيكم. ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ [غافر: 59] أي: القيامة ﴿ لا ريب فيها ﴾ [غافر: 59] لا شك، وما دام أن الساعة آتية لا شك فيها فلا بد أن نستعد لها، فلو كنت قد خلقت وتركت هكذا وانفلت من الله لكان لك أن تفعل ما تشاء، لكن ماذا وأنت لك مرجع إلى ربك ومرد إلى خالقك، وموقف للحساب والجزاء؟ إذن: لا مفر لك من أن تحمي آخرتك، وهي الغاية العظمى التي ليس بعدها بعد. وقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [غافر: 59] أي: لا يعلمون هذه الحقائق أو يغفلون عنها، مع أن العقل المجرد لا بد أن يهتدي ويعتقد بوجود الساعة والحساب والجزاء، لماذا؟ لأنك حين تنظر إلى الكون تجد المرتبط فيه بمنهج افعل ولا تفعل، ويسير وفق هذا المنهج تجده مؤدبا مع الكون من حوله لا يأتي منه فساد ولا تعد، وتجد المنحل الذي انفلت من هذا المنهج مصدر إزعاج وفساد للكون من حوله، فهل يستويان في العقل مجرد العقل؟ هل يستوي المصلح والمفسد؟ من عربد في الكون وآذى خلق الله وأتعب الدنيا كلها ومن أصلح الكون وأسعد الناس وأعانهم؟ ثم ألسنا في عملية التعليم نجري للتلاميذ اختبارات آخر العام ونقول: هذا ناجح، وهذا راسب؟ ألسنا نضع في دنيانا قواعد للثواب والعقاب تقضي بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء؟ إذن: فلماذا ننكر الحساب يوم القيامة يوم يجازى كل بما عمل، حتى الناس الذين لا يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمبدأ الثواب والعقاب، وعندهم عقوبات على الجرائم ضد المجتمع لتأديب الخارجين على القانون، فإذا كنت في دنياك جعلت العقوبات وجرمت بعض الأفعال وعاقبت عليها لتستقيم حركة حياتك الدنيا، فلم تنكر هذا المبدأ مع الله في الآخرة؟ أيعقل أن تكون حركة الناس جميعا في الدنيا من أولها إلى آخرها متروكة هكذا دون حساب، دون ثواب للمحسن وعقاب للمسيء. والله، لو كان الأمر كما يدعون وينكرون فقد فاز المنحرفون المجرمون، وربح المخالفون الخارجون على القانون والدين، حيث فعلوا ما فعلوا، وظلموا ما ظلموا، وأفلتوا بجرائمهم، وما خسر في هذه الصفقة إلا المؤمنون والمستقيمون الذين ألزموا أنفسهم بمنهج دون فائدة. وقوله تعالى: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [غافر: 59]. يعني: أن المسألة ليست قائمة على العقل إنما على الإيمان، فلو تركت للعقل لقلنا ما قلناه الآن، لكن أمر الساعة قائم على الإيمان والعقيدة، والذي يريد ألا يرتبط بالإيمان وأن ينفلت من قيوده يريد ألا يقيد حركته في الوجود بمنهج افعل ولا تفعل، يريد أن يكون حرا يسير في الحياة على هواه. لذلك قلنا: إن الذين عبدوا الشجر والحجر عبدوها لأنها آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وهذه العبادة في معناها باطلة، لأن العبادة تعني: طاعة العابد لأمر المعبود، فهذه الآلهة التي تزعمونها بم أمرتكم؟ وعم نهتكم؟ ماذا أعدت لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ إذن: أنتم ما ارتضيتم هذه الآلهة إلا لتسيروا في الحياة بلا قيود، وبلا تكاليف، وبلا منهج وبلا ضابط لشهواتكم.