" أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "
فلم العجب إذن؟ لذلك حين يصفها لنا الحق سبحانه يخبرنا أنه لا يصف لنا الجنة ذاتها، إنما يعطينا مثالا لها، فيقول سبحانه:
مثل الجنة التي وعد المتقون..
[محمد: 15]. ثم إن الحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل للجنة ليقربها لأفهامنا لا بد أن ينقي هذا المثل من شوائبه عندنا في الدنيا، تأمل: ﴿ مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ﴾ [محمد: 15].
فماء الجنة غير آسن لا يتغير كماء الدنيا، ولبن الجنة لا يتغير طعمه كما يتغير لبن الدنيا، وخمر الآخرة لذة ولا يذهب بالعقل، أما خمر الدنيا فكرية ويذهب بالعقل، وعسل الآخرة مصفى من الشوائب على خلاف عسل الدنيا. ثم يقول مؤمن آل فرعون، فيما يذكره لنا الحق سبحانه في قرآنه: ﴿ ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة... ﴾.
40.41-42
هذا كلام الرجل المؤمن من آل فرعون، كأنه كلام الأنبياء، وإني حتى الآن لم أهتد إلى سبب يقنعني كيف سكت فرعون على هذا الكلام، ولا أستطيع إلا أن أقول: إن الله سبحانه قادر على أن يجمع بين الشيء ونقيضه، فالمؤمن يجهر بهذا الكلام الإيماني لكن الحق سبحانه يدخله في أذن فرعون غير ذلك، وإلا لما سكت عنه وتركه يتكلم بهذا المنطق الإيماني الذي يهدم ألوهية فرعون المدعاة، أو كما قلنا أن وارد الرحمن لا يعارض. وقوله: ﴿ ما لي ﴾ [غافر: 41] يستفهم عن شيء في نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي: إلى ما يؤدي إلى النجاة وما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيرا إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
ثم يوضح معنى ﴿ أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ﴾ [غافر: 41] فيقول: ﴿ تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ﴾ [غافر: 42] فأنتم تحثونني على الكفر بالله والشرك به، وأنا أحثكم على الإيمان به.