40.9
قوله سبحانه وقهم فعل أمر أو دعاء هنا من الفعل وقى أي: يا رب جنبهم المعاصي، ويصح أن نقول: قهم السيئات. يعني: جنبهم عقوبة المعاصي، أو جنبهم المعاصي ذاتها، وعين الرحمة أن يجنبك الله المعاصي والسيئات، لذلك قال: ﴿ ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته.. ﴾ [غافر: 9]. وهذه مثل قوله تعالى في شأن القرآن الكريم:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين..
[الإسراء: 82] فالشفاء يكون للداء الموجود بالفعل في النفس الإنسانية، فالقرآن يعالج مثلا داءات الشح والجبن والكذب.. إلخ، أما الرحمة فهي ألا يأتي الداء أصلا، ولا شك أن تجنب الداء بداية أفضل من معالجته كما يقولون: الوقاية خير من العلاج. ﴿ وذلك هو الفوز العظيم ﴾ [غافر: 9] نعم، وأي فوز أعظم من أن يجنبك الله السيئات فلا تقع فيها؟ كلمة الفوز تعني الفلاح والنجاح، ووصف بأنه عظيم لأنك قد تفوز في الدنيا بالمال أو بالمنصب أو بالأولاد، هذا فوز لكن الفوز العظيم في الآخرة لأنه فوز باق ودائم، أما فوز الدنيا فمآله أن ينتهي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر... ﴾.
40.10
لو تتبعنا هذه المسألة من أولها نجد أن الحق سبحانه دعا الخلق بواسطة رسله ومنهجه إليهم، فمنهم من استجاب فآمن، ومنهم من كفر ﴿ إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ﴾ [غافر: 10] وهؤلاء الذين لم يستجيبوا لداعي الحق أرادوا ألا يرتبطوا بمنهج الله في افعل ولا تفعل وألا يضيقوا على أنفسهم بالالتزام بالمنهج، وأن يسيروا في الدنيا على هواهم، هذا الذي دعاه إلى أن يكفر. فحين يعاين العذاب في الآخرة يندم ساعة لا ينفع الندم، ويكره نفسه أشد الكره، لأنها لم تتبع منهج الإيمان. هذا معنى قوله سبحانه: ﴿ إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ﴾ [غافر: 10] والمقت أشد البغض. أراد الحق سبحانه أن يقول لهم: إن كنتم كرهتم أنفسكم أشد الكره لأنها لم تؤمن بمحمد وبمنهج الحق الذي جاء به، فاعلموا أن مقت الله لكم لكفركم به أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم، إنكم مقتم أنفسكم لأنها حرمتكم الخير وجلبت لكم الشر حين كفرت بالله. والحق سبحانه يمقتكم لأنكم أبعدتم أنفسكم عن مجال الخير منه وخرجتم من حضنه ودائرة رحمته، لأنه سبحانه يغضب أشد الغضب حين يخرج عنده عن ساحته ويحرم نفسه من خيره، وهذا يعني أن ربك يحبك ويحب لك الخير ويريدك في جنبه وفي معيته ويغار عليك حين تشرد أو تشذ عن منهجه، فأنت عبده وصنعته. فكأن مقته سبحانه للكافر رحمة به وغيرة عليه. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي:
" لو خلقتموهم لرحمتموهم ".
إذن: الحق سبحانه أثبت أولا بغضهم لأنفسهم، ثم بين لهم بغضه سبحانه للكافر أشد من هذا.