40.34
لما جاء يوسف عليه السلام لم يكن في زمنه فرعون على مصر، إنما كان هناك ملك هو العزيز، لذلك لما تقرأ قصة سيدنا يوسف عليه السلام لا تجد ذكرا لفرعون أبدا كما في قصة سيدنا موسى، ولما عرفنا أحداث التاريخ المتعاقبة واستطعنا أن نرجع الأحداث إلى أزمانها عرفنا أن يوسف كان في فترة ملوك الرعاة الهكسوس، وهؤلاء بعد أن دخلوا مصر قضوا على حكم الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكا، لذلك يقول في القصة
وقال الملك
[يوسف: 43] ولم يقل فرعون. ولما عادت الفرعونية مرة أخرى أخذوا يضطهدون بني إسرائيل لأنهم كانوا يناصرون الملك ويؤيدونه. قوله ﴿ بالبينات ﴾ [غافر: 34] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدقه في البلاغ عن الله ﴿ فما زلتم في شك مما جآءكم به ﴾ [غافر: 34] أي: تشكون في صدق رسالته ﴿ حتى إذا هلك ﴾ [غافر: 34] يعني: مات ﴿ قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا ﴾ [غافر: 34] قالوا: ذلك لأنهم ينكرون الرسالة، فهم في أنفسهم منافقون ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف ﴾ [غافر: 34] يعني: متجاوز للحد ﴿ مرتاب ﴾ [غافر: 34] شاك في الرسالة مكذب لها.
40.35
وهل هناك جدل في الله وله سلطان يؤيد؟ قالوا: نعم الجدل المقصود جدل في الله. يعني: في أمر الله للإثبات، وجدل من المقابل لنفيه. وقلنا: إن الآيات تأتي على معان ثلاثة: آيات كونية تدل على طلاقة قدرة الخالق سبحانه، وآيات لإثبات صدق الرسل في البلاغ عن الله وهي المعجزات وآيات القرآن التي تحمل الأحكام. ففي أي هذه الأنواع كانوا يجادلون؟ أولا: جادلوا في آيات المعجزات وقالوا عنها سحر، والرد على هذا الادعاء سهل، إذ نقول لهم: الذي سحر الناس فآمنوا به، لماذا لم يسحركم أنتم أيضا لتؤمنوا به وعندها تنتهي المسألة؟ كذلك جادلوا في آيات الأحكام، لماذا؟ لأن كل حكم ينزله الله على عباده يمنع طغيان جيل في جيل أو فرد في فرد، وهذا ينافي مصلحة أهل التسلط والكبرياء في الأرض
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين
[القصص: 83]. أما الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه كالشمس والقمر والنجوم وغيرها فليست مجالا للجدل لذلك لم يجادلوا فيها. ومعنى ﴿ كبر مقتا ﴾ [غافر: 35] أي: أن هذا الجدل في آيات الله بغير حق جدل ممقوت يبغضه الله بغضا كبيرا، ويبغضه الذين آمنوا الذين يحرصون على دين الله وتقوية دواعي الإيمان به في النفوس. ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ﴾ [غافر: 35] معنى ﴿ يطبع ﴾ أي: يختم على قلبه. والمتكبر: هو الذي يفتعل الكبر ويدعيه وليس عنده مبرراته، فهو يتكبر بلا رصيد عنده للكبر. لذلك ورد الحديث القدسي الذي يوضح هذه المسألة، ويقسم المجتمع الإيماني إلى اثني عشر قسما، ست منها في المحبوبية: منها ثلاثة للمحبوبية العليا، وثلاثة للمحبوبية الأقل. وست أيضا للمبغضين منها ثلاثة للمبغضين، وثلاثة للمبغضين أقل، فانظر في أيها يكون المتكبر. قال تعالى في الحديث القدسي:
" أحب ثلاثا وحبي لثلاث أشد: أحب الفقير المتواضع وحبي للغني المتواضع أشد، وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الغني الكريم وحبي للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثا وبغضي لثلاث اشد: أبغض الغني المتكبر وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض الشاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشد ".
ففي ضوء هذا الحديث نتعلم أن المجتمع الإيماني ينبغي أن يكون غنيه متواضعا، وفقيره كريما، وشبابه طائعا. هذه صورة أرقى المجتمعات وأعلاها يأتي بعده في المرتبة مجتمع: فقيره متواضع، وغنيه كريم، وشيخه طائع. إذن: قلنا إن المتكبر من يتكبر وليس عنده مبررات الكبر، فماذا لو كان عنده مبررات الكبر؟ نقول: إن كان عنده مبررات الكبر فإنه ينقصه أنه يتكبر بشيء غير ذاتي فيه ومن الممكن أن يسلب منه، كمن يتكبر بعافيته فقد يسلبها الله منه لأنها عرض زائل عنك، ثم إن المتكبر حينما يرى من هو أكبر منه يتضاءل في كبريائه، ولو أنه رأى ببصيرته كبرياء ربه لما تكبر.