40.19
يعني: اعلموا أن علم الله شامل ولا يخفى عليه شيء مهما دق، فإن عميتم على خلق الله في الدنيا واختلستم النظرات فيما لا يحل لكم فاعلموا أنكم لا تخفون على الله، ولو أيقن المؤمن بشمول علم الله وبنظره إليه ما كانت له خائنة أعين. لذلك رأينا القاضي وهو يحكم بين الناس ويتحرى العدل في حكمه وجد بحاسة الحق عنده أن الشهود يشهدون زورا، لكن ماذا يفعل وهم متفقون في أقوالهم جميعا مهما حاورهم وقلب لهم المواقف ليكشف زيفهم وباطلهم وجدهم على لسان واحد؟ ذلك لأن المحامي مثلا حفظهم الجواب، فماذا يفعل؟ غضب وانفعل للحق الذي يحكم به وقال كلمة هزت الشهود جميعا، وجعلتهم ينطقون بالحق قال لهم: والله لو عميتم على قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء. كلمة أنطقه الله بها، فأعادت إليهم رشدهم وهزتهم من الأعماق، فرجعوا إلى الحق. وقوله: ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ [غافر: 19] يعني: علم سبحانه مكنونات الصدور وخباياها، وهذه لا يعلمها إلا الله.
40.20
معنى: ﴿ يقضي.. ﴾ [غافر: 20] أي: يحكم بالحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ [غافر: 20] أي: الأصنام وغيرها مما عبدوه من دون الله ﴿ لا يقضون بشيء.. ﴾ [غافر: 20] لا يحكمون بشيء، فليس لهم مركز في القضاء أبدا ولا حتى في الظلم، ليس لهم أهلية لأن يقضوا ﴿ إن الله هو السميع البصير ﴾ [غافر: 20]. السميع لكل قول خارج عن منهجه، العليم بكل فعل يخرج عن منهجه المشاهد لكل شيء. فالحق سبحانه وتعالى يكون هو الشاهد وهو القاضي والحاكم وهو المنفذ، فإذا كانت السلطات عندكم متعددة في الدنيا، فالسلطة في الآخرة لله وحده لا شريك له. بعد ذلك يقول سبحانه: ما بال هؤلاء الكفار الذين يعاندون الدعوة ويصادمون الرسول الذي أرسله الله لهم رحمة، ألم ينظروا في تاريخ سابقيهم من الأمم التي كذبت وما جرى لهم من العقوبة، وما حل بهم من هلاك يرون هم آثاره. لقد سجل الحق سبحانه على نفسه، فقال:
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون
[الصافات: 171-172]. نعلم أن الإنسان يحفظ السند الذي له ولا يحفظ الذي عليه، أما الحق سبحانه فحفظ وسجل هذا الوعد عليه سبحانه
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9] فالحق سبحانه ضمن لرسله النصرة والتأييد، وما كان سبحانه وتعالى ليقول كلمة ويأتي واقع الحياة ليكذبها. إذن: فنصرة الرسل سنة من سنن الله في كونه، يقول سبحانه: ﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا... ﴾.