40.15-16
كلمة رفيع على وزن فعيل من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل رحيم مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة رفيع يصح أن تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع سبحانه بعض الخلق على بعض. ويصح أن تكون رفيع بمعنى مفعول أي مرتفع في ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعا في ذاته، فرفيع هنا بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجل. فالله تعالى مرتفع الوجود لأن وجوده أزلي لا عن عدم، أما وجودنا نحن فعن عدم، ووجوده سبحانه إلى دوام ووجودنا إلى عدم، وهو موجود سبحانه بذاته ووجودنا نحن به سبحانه، إذن: فهو سبحانه أحسن مرتفع في الوجود، نعم. والله سبحانه مرتفع في قيوميته، فنحن نعمل ونتعب وننام لنرتاح، أما هو سبحانه فلا يتبعه عمل ولا ينام ليستريح، لذلك قال سبحانه:
الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم
[البقرة: 255] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: ناموا أنتم ملء جفونكم لأني لا تأخذني سنة ولا نوم، يريد أن نطمئن ونحن في معيته سبحانه. وبهذه القيومية يرفع الله من يشاء، وبطلاقة قدرته سبحانه يبقي من يشاء في الرفعة وينزل من يشاء إلى الضعة
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء
[آل عمران: 26]. وقوله: ﴿ رفيع الدرجات ﴾ [غافر: 15] لأن الرفع يقتضي منزلة أعلى من منزلة، وهذه هي الدرجات أي: ما بين كل منزلة وأخرى، والدرجات لا تكون إلا في العلو، أما النزول إلى أسفل فتسمى مراحله دركات. والحق سبحانه يرفع من خلقه ما يشاء على ما يشاء، كما رفع من الزمان رمضان على غيره من الشهور، ورفع من المكان البيت الحرام وبيت المقدس، ورفع من الملائكة كما في قوله تعالى على لسان الملائكة:
وما منآ إلا له مقام معلوم
[الصافات: 164]. ورفع من الرسل أولي العزم منهم، كما قال تعالى:
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض
[البقرة: 253] ويرفع من عامة الخلق كما قال سبحانه:
يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات
[المجادلة: 11] وكما رفع الله سبحانه أولي العلم كذلك رفع أصحاب الحركة في الحياة الذين ما أوتوا علما، إنما عندهم حركة تنفذ هذا العلم وتطبقه وتحقق مطلوبه في الحياة، فالعلم يحتاج في تنفيذه ليد عاملة كأصحاب الحرف والعمال والصناع، لذلك قال سبحانه:
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات
[الأنعام: 165]. إذن: عندنا رفعة للزمان، ورفعة للمكان، ورفعة للملائكة، ورفعة للأنبياء، ورفعة للمؤمنين، ورفعة لأولي العلم، وأخيرا رفعة للخلائق في الأرض، وتأمل العدالة الإلهية في رفعة الخلائف بعضهم على بعض.
فالحق سبحانه لم يقل لنا أي بعض مرفوع وأي بعض مرفوع عليه، ليبين لنا أن كل بعض مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، إذن: لا يرفع الغني على الفقير، ولا الجميل على القبيح، ولا الذكي على الغبي، إنما يرفع كل بحسب عمله، كما ورد في قوله تعالى:
يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير
[الحجرات: 13]. فكل الخلق غير ما تقدم ممن رفعه الله مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالنجار الذي يصنع لي المكتب مرفوع علي في هذا العمل ومفضل علي فيه، لأنه يعرف هذه الصنعة ويتقنها وأنا لا أعرفها. فإذا ما جاء هذا العامل يسألني في مسألة كنت أنا مرفوعا عليه فيها، لأنني أعرفها وهو لا يعرفها، وقلنا: إن الحق سبحانه أراد لحركة الحياة بين الخلق أن تبنى على الحاجة لا على التفضل، فكل منا يحتاج الآخر ولا تكتمل حركة حياته إلا به. ولو قامت حركة الحياة على التفضل لتعطلت أكثر المصالح ولما استقامت الحياة، وتصور أننا جميعا تخرجنا في الجامعة وصرنا علماء، من سيؤدي لنا الأعمال الأخرى؟ من يكنس الشارع؟ ومن يعمل في المجاري؟ ومن يبيع في الأسواق؟.. إلخ وهذا هو مقصود الشاعر الذي قال: