40.32-33
يوم الأحزاب كان في الدنيا، أما يوم التناد فيوم القيامة، فكأنه حذرهم بيوم الأحزاب من المصائب التي تأتيهم في دنياهم، ثم حذرهم بيوم الجزاء يوم القيامة فقال: ﴿ ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ [غافر: 32] والتناد تفاعل يعني: تناديني وأناديك، والتنادي يوم القيامة سيكون من وجوه عدة، يقول تعالى:
يوم ندعوا كل أناس بإمامهم
[الإسراء: 71] وهذا أول نداء، يقول: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى.. إلخ أو أن ينادي بعضهم بعضا. وقد ذكر الحق سبحانه صورا متعددة من هذه النداءات، فقال سبحانه:
ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا
[الأعراف: 44]. وقال:
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله..
[الأعراف: 50]. وقال:
ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم..
[الأعراف: 48] وأصحاب الأعراف جماعة استوت حسناتهم وسيئاتهم ولم يدخلوا الجنة، ومع ذلك يشمتون في الكفار. أو: أن التناد ليس من مناداة بعضنا لبعض، إنما هو من الفعل ند يعني: بعد وشرد، يعني: يوم التناد يوم تشرد مني وأشرد منك، وهذا مثل قوله تعالى:
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه
[عبس: 34-36] والمراد: يفر منهم وهم كذلك يفرون منه، فكل يهرب من الآخر لانشغاله بنفسه. لكن ماذا يقصد الرجل المؤمن بذلك؟ قالوا: يريد أن يقول لهم: إن كنتم تظاهرون بعضا على الباطل في الدنيا فاعلموا أنكم ستفرون من بعض في الآخرة ﴿ يوم تولون مدبرين ﴾ [غافر: 33]. وتأمل هنا حبكة الأداء القرآني، فحينما يأتي بلفظ يحمل معنيين أو يجمع بين معنيين يأتي بما يدل على كل منهما، فهنا مثلا قال ﴿ يوم التناد ﴾ [غافر: 32] بمعنى المناداة. وقال: ﴿ يوم تولون مدبرين ﴾ [غافر: 33] بمعنى الفرار، فجمع بين المعنيين في كلمة التناد. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الرحمن
الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان
[الرحمن: 6] فالشمس والقمر مخلوقات علوية، والشجر أرضي وبينهما كلمة النجم ولها معنيان: الأول: المتبادر إلى الذهن هو النجم العالي في السماء من جنس الشمس والقمر، والآخر النجم بمعنى: العشب الذي لا ساق له، وهو جنس الشجر. وقوله: ﴿ ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [غافر: 33] من عاصم يعني: لا أحد يستطيع أن يمنعكم من الله، ولا يدفع عنكم بأسا إن نزل بكم ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [غافر: 33] يعني: من يحكم الله بضلاله لا يهديه أحد، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى سيعينه ويمكنه من الضلال. لذلك قلنا: إذا أحب العبد شيئا قال الله لعبده: أحببته يا عبدي سأبليك به، كمن مات له عزيز مثلا فحزن عليه حزنا شديدا وبالغ فيه واستمرأ الحزن، فيقول الله له: أحببت الحزن وعشقته، سوف أزيدك منه، كلما تقادم جددته لك.
لذلك قال أهل المعرفة: أغلقوا أبواب الحزن بمسامير الرضا، لأنكم إن ألفتم الحزن وعشقتموه أدامه الله عليكم، لأنه سبحانه ربكم والمتولي لأموركم، ويعطي كلا منكم بغيته، حتى الكافر الذي أحب الكفر وعده الله أن يعينه عليه، لذلك يختم على قلبه بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر. ثم يستمر الرجل المؤمن من آل فرعون في نصحه لقومه فيقول: ﴿ ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات... ﴾.