تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.83

أي: جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحات وبالمعجزات قال: لسنا في حاجة إلى الرسل كما قلنا أن سقراط الفيلسوف قالها على الفطرة، نحن قوم مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، ومع ذلك حكموا عليه بالقتل. لذلك قلنا: إنهم حكموا عليه ظلما لأنهم لم يحتكموا في ذلك إلى شيء منطقي، فأنت سوي السلوك في ذاتك، لكن هل منع عنك سيء السلوك؟ فكان يجب أن يوجد طرف محايد يراعي ما لي وما علي. قوله: ﴿ فرحوا بما عندهم من العلم.. ﴾ [غافر: 83] هذا نوع من الفرح الذي ذكرناه، وقلنا: إنه غير مشروع وفرح أحمق. والمراد: فرحوا بما عندهم من العلم الذي يحاجون به القرآن كقولهم:

ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر..

[الجاثية: 24] وهكذا يقول العلمانيون، ومثل قولهم:

لو شآء الله مآ أشركنا..

[الأنعام: 148]. فكل قضية تعرض عليهم يريدون أن يعارضوها معارضة هم مقتنعون بها رغم بطلانها، وهذا نوع من العلم عندهم. أو المعنى: فرحوا بما عندهم من العلم بظواهر الحياة والحضارات التي أقاموها، فقالوا: لسنا في حاجة إلى الرسل، لأن ما عندنا من العلوم أي المادية فيه كفاية. ونقول: أنتم نظرتم إلى سطحيات الأمور وإلى الأشياء التي تبررون بها فكركم، فقلتم:

لو شآء الله مآ أشركنا..

[الأنعام: 148] يعني: تتهم الله، وهذا دليل على أنك تريد ذلك. والبعض يقول أن ﴿ فرحوا.. ﴾ [غافر: 83] تعود على الرسل، يفرحون أن جعلهم الله هداة مهديين، لكن هذا القول فيه خروج عن مقتضيات السياق في الآية، ويتعارض مع تذييل الآية ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [غافر: 83] أي: حل بهم ونزل بهم ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ [غافر: 83] يعني: جزاء استهزائهم، ومن الاستهزاء قولهم:

قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 106]. وقالوا:

أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 70]. ومعنى ﴿ يستهزئون ﴾ [غافر: 83] من هزء الباطل من الحق، لماذا؟ قالوا: لأن الباطل حين يرى حقا يدفعه فلا بد له أن يفت في عضد من يؤمن به، لأنه لو لم يفت في عضده جذبه هو إلى الحق ولذلك سمعناهم يقولون:

لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون

[فصلت: 26]. والله لو لم يكونوا يعلمون حلاوة القرآن وأخذه لمن سمعه واستيلاءه على الأسماع والقلوب، ولولا خوفهم من أن يأخذ القرآن منهم سيادتهم لما قالوا هذا الكلام، ولما حذروا الناس من سماعهم، ولو كان كلاما عاديا ما وقفوا منه هذا الموقف. إذن: فهموا أن القرآن حق، ومن سمعه لا بد أن يهتدي به. ومعنى سمعه يعني: بمواجيده.

سمعنا كثيرا قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب، وكان جبارا في الجاهلية عنيدا غليظ القلب، فماذا حدث له بعد سماع القرآن؟ لقد سمعه أولا من أخته فغضب ولطمها على وجهها، فسال الدم من وجهها، وعندها تحركت عاطفته نحو أخته، فلما تحركت عاطفته غطت على لدد الخصومة عنده للإسلام، ولما غطت على لدد الخصومة للإسلام وصل القرآن إلى قلبه بدون لدادة فأثر فيه فآمن. وقد صور لنا القرآن في موضع آخر نموذجا لاستهزاء أهل الباطل بأهل الحق، قال تعالى:

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين

[المطففين: 29-33]. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا الاستهزاء، واللقطة الأخيرة في هذا الموقف

فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون

[المطففين: 34-35] ثم يسألنا ربنا

هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 36] يعني: هل قدرنا أن نجازيهم بما يستحقون؟

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١١