لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 1-4]. وقال سبحانه:
أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم..
[العنكبوت: 67]. والدليل على ذلك أنهم لما رأوا في الأصنام آلهة لا أوامر لها ولا تكاليف رضوا بها وعبدوها من دون الله، ومع ذلك لما أرادوا مكانا يكرمون به هذه الآلهة لم يجدوا إلا الكعبة يضعون أصنامهم حولها، إذن: فالكعبة لها قداسة عندهم رغم كفرهم بالله. هذا هو الكبر الذي منعهم من قبول الحق، وهذا الكبر وصفه الله بقوله ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ [غافر: 56] يعني: ليس عندهم دواعي الكبر، فهو كبر كاذب لأن الذي يتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء عارض ربما يسلب منه، فهو كبر كاذب كمن يتكبر بقوته وعافيته أو بماله أو بسلطانه.
وقوله تعالى: ﴿ فاستعذ بالله ﴾ [غافر: 56] لأن الاستعاذة بالله تعني أن شيئا جاء فوق أسبابك المادية فلا تقف أمامه مكتوف الأيدي، إنما توجه إلى ربك الذي أرسلك وقل له: إن هذا الأمر أعجزني وفاق طاقتي فاحمله عني، لذلك قال سبحانه:
أمن يجيب المضطر إذا دعاه
[النمل: 62]. فإذا عزت الأسباب فتوجه إلى المسبب ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ [غافر: 56] هذان من صفات الكمال المطلق لله تعالى السمع والبصر لأن كل حركات جوارح الإنسان عمل، فاللسان له عمل، واليد لها عمل، والرجل لها عمل. وهذا العمل ينقسم إلى قسمين: إما قول أو فعل، القول أخذ وحده شطر العمل وهو عمل اللسان، وباقي الجوارح عملها يسمى فعل. لذلك قال تعالى:
يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون
[الصف: 2] فذكر القول والفعل، وكله يسمى عملا، فالسمع لما يقال، والبصر لما يفعل، فالحق سبحانه يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم منزلة الاستعاذة ﴿ فاستعذ بالله ﴾ [غافر: 56] لأنه سميع لكل ما يقال، بصير بكل ما يفعل.