والعظمة في قوله: ﴿ والنهار مبصرا ﴾ [غافر: 61] أي: مبصرا فيه، وقديما كانوا يعتقدون أن شعاع الرؤية يخرج من العين إلى المرئي، إلى أن جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم وأثبت عكس ذلك، وبين أن الشعاع يأتي من الشيء المرئي إلى العين فتراه، بدليل أنك لا ترى ما في الظلام وترى ما في النور حتى لو كنت أنت في ظلام، لأن الشعاع ينعكس من المرئي فتراه. وعليه فالنهار نفسه مبصرا: ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ [غافر: 61] نعم الله صاحب الفضل والتفضل على الناس جميعا، لأنه سبحانه أعطاهم بلا حق لهم عليه سبحانه، فهو متفضل في الإيجاد من عدم، ومتفضل في الإمداد من عدم، ومتفضل في التكليف، نعم حتى في التكليف متفضل، كيف؟ قالوا: لأنه حين كلفك كلفك بشيء يعود نفعه عليك أنت، ولا ينتفع هو منه بشيء، ثم بعد ذلك جازاك عليه، وجعل لك ثوابا، فكأنه سبحانه تفضل عليك في التكليف مرتين. وقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ [غافر: 61] هذا يعني أن القلة هي الشاكرة، ويعرف الشكر بزيادة النعم، فالشكر وزيادة النعمة متلازمان، وقد وعد الحق سبحانه:
وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم
[إبراهيم: 7].
40.62-63
قوله تعالى: ﴿ ذلكم ﴾ [غافر: 62] إشارة إليه سبحانه. أي: الذي فعل لكم كذا وكذا، وتفضل عليكم هو الله ربكم ﴿ خلق كل شيء ﴾ [غافر: 62] وهذه مسألة لم ينكرها أحد، ولم يدعها أحد لنفسه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [غافر: 62] هكذا حكم بها الحق سبحانه لنفسه بأنه لا إله إلا هو. إذن: فأنت تؤمن بالله، والله سبحانه آمن بذاته، وشهد لنفسه بهذا، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو قبل أن يشهد بها أحد، لذلك يطلق سبحانه كلمة كن، ويعلم أنها نافذة لأنها كلمته وليس لها معارض، وليس هناك إله آخر يردها أو يعدلها أو يعترض عليها. قال تعالى:
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم
[آل عمران: 18] قالوا: شهد الله لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال. والحق سبحانه ساعة يقول ﴿ خلق كل شيء ﴾ [غافر: 62] يطلقها هكذا قضية عامة على إطلاقها، نقول: إما أن تكون قضية صادقة أو غير ذلك - وحاشا لله - فإن كانت صادقة فقد ثبتت الحجة، وإن كانت غير ذلك فأين خالق كل شيء؟ أين خالق هذا الكون إذا لم يكن الله هو خالقه؟ من هو؟ ولماذا سكت ولم يخبر عن نفسه؟ إن كان لا يدري بوجود الله فهو إله نائم غافل لا يصلح للألوهية، وإن كان يدري بوجود الله الذي أخبر هذا الخبر ولم يعارضه فهو عاجز، والإله لا يكون أبدا عاجزا. لذلك قال سبحانه مؤكدا على صحة هذه القضية:
قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا
[الإسراء: 42] يعني: لذهبوا إلى الإله الحق ليناقشوه كيف أخذ منهم الخلق؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ وهذا لم يحدث. وقوله: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ [غافر: 62] أي: تصرفون عن الحق الذي يقول به العقل وتثبته الحجج والبراهين والواقع، فالحق في هذه القضية واضح، وقد أطلقت هذه القضية وأخبرت بها ولم يقم لها معارض، ولم يدعها أحد لنفسه، ومعلوم أن القضية تثبت لصاحبها ما دام ليس لها معارض. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة وقلنا: هب أن جماعة جلسوا في مكان، ولما انصرفوا وجد صاحب المكان محفظة نقود فقال لخادمه: ابحث عن صاحب هذه المحفظة، فأخذ الخادم يتصل بهم واحدا واحدا فلم يقل أحد منهم أنها لي، ثم طرق الباب واحد منهم. وقال: والله لقد نسيت محفظتي هنا، فلمن تكون إذن؟ تكون لمن ادعاها إلى أن يظهر مدع آخر. وقوله: ﴿ كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون ﴾ [غافر: 63] أي: يصرفون عن هذا الحق الواضح البين، ومعنى يجحدون الآيات.