40.11
لنفهم معنى ﴿ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ [غافر: 11] لابد أن نعرف ما هو الموت أولا، الموت هو إذهاب الحياة بعد أن كانت موجودة، فما دام سيكون الموت فهو دليل على الحياة قبله، والموت أيضا يعني عدم الحياة مطلقا، يعني: عدم لم تسبقه حياة مطلقا. لذلك قال سبحانه:
كيف تكفرون بالله
[البقرة: 28] وهذا استفهام للتعجب يعني: قولوا لنا كيف يتأتى منكم الكفر
وكنتم أموتا فأحيكم
[البقرة: 28] أي: كنتم عدما فوهبكم الحياة
ثم يميتكم
[البقرة: 28] أي: يذهب الحياة الموجودة
ثم يحييكم
[البقرة: 28] أي: في الآخرة. إذن: فالموت مرتان والحياة مرتان كذلك، والخلاف في هذه المسألة: أيكون الموت بعد حياة؟ أم يكفي أن يكون عدم تأتي بعده الحياة؟ نقول: الموت هو العدم المطلق، سواء كان قبله حياة أم لم تكن قبله حياة؟ وأنت مثلا ترى البعوضة صغيرة، والفيل ضخما كبيرا فتقول: سبحان من صغر البعوضة وكبر الفيل، أكانت البعوضة كبيرة ثم صغرها الله أم خلقت هكذا؟ إذن: الموت ليس من الضروري أن يسبقه حياة، فيكفي أنه لم تكن فيه حياة، بعد ذلك أحيانا الله واستوفينا الأجل في الدنيا ثم يأتي الموت. إذن: الآية جمعت بين المعنيين: الموت المطلق أو العدم الذي لم تسبقه حياة، والموت بمعنى نقض الحياة الموجودة بالفعل، فقال سبحانه: ﴿ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ [غافر: 11]. بعضهم يرى أن الموت الأول هو إذهاب الحياة بعد انقضاء الأجل، ثم يحيا في القبر للسؤال ثم يموت في القبر ثم يبعث يوم القيامة، والأول الذي اخترناه أليق. وقوله سبحانه: ﴿ فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ﴾ [غافر: 11] الاستفهام في ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ [غافر: 11] استفهام للتمني لكن هيهات، فلو ردوا لعادوا لما كانوا عليه، فلا فائدة من تكرار هذه التجربة، والحق سبحانه بين هذه المسألة في قوله تعالى:
كلا إنها كلمة هو قآئلها
[المؤمنون: 100]. ولو ردوا لعادوا بطباع الشر فيهم وكفروا، والخروج أي من المأزق الذي نحن فيه ومن العذاب الذي نعاينه ﴿ من سبيل ﴾ [غافر: 11] من طريق للخروج وللنجاة. هذا الذي ذكرناه خاص بحياة القوالب وموتها، أما حياة القلوب والأرواح فلها طريق آخر، ذكره الحق سبحانه في قوله:
يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم
[الأنفال: 24]. لا شك أنه سبحانه يخاطبهم وهم أحياء الحياة المادية إذن: هناك حياة أخرى يدعوهم إليها، إنها حياة المعنويات التي لا يأتي بعدها موت وهي الحياة في الجنة. إذن: عندنا حياة للمادة بها تحيا وتتحرك وتأكل وتشرب وتنشط، وهناك حياة أخرى معنوية بها تدخل الجنة حيث نعيم بلا فوت، وحياة بلا موت. الحياة المادية لها روح تناسبها وهي حياة تنتهي بالموت، أما حياة القيم والمعنويات فلا بد لها من روح علوية تأتي بالالتزام بالمنهج في: افعل ولا تفعل، لذلك يسميها الله روحا:
أوحينآ إليك روحا من أمرنا
[الشورى: 52] وسمي من يحملها روحا:
نزل به الروح الأمين
[الشعراء: 193]. وكل من الحياتين لها ما يناسبها من البقاء، فالأولى موقوتة بالأجل، والأخرى ممتدة باقية لذلك قلنا في الشهيد الذي جاد بنفسه وأنهى حياته في سبيل منهجه أن الله يجازيه على ذلك بأن يعصمه من الموت بعد ذلك.