تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.8

معنى ﴿ جنات عدن.. ﴾ [غافر: 8] أي: إقامة دائمة. وتأمل ثمرة الإيمان بالله، ثمرة لا إله إلا الله، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالملائكة في أعلى عليين يذكرونك وينشغلون بك أيها المؤمن، ويدعون لك لأنك آمنت بالله، وهذه تسلية لسيدنا رسول الله ولأمته الذين تحملوا مشاق الدعوة ومن تبعهم إلى يوم الدين. فيا محمد إن كان كفار مكة قد وقفوا منك ومن أتباعك هذا الموقف المعاند فلا تحزن، ويكفيك وأمتك أن تستغفر لك الملائكة، وأي ملائكة؟ حملة العرش والذين يحيطون به. وحين تقرأ هذا الدعاء من الملائكة تجد فيه إشارات ووقفات تستحق التأمل أولها أنك أيها المؤمن مذكور بين حملة العرش، وأنت موضع اهتمامهم مع دنو منزلتك وعلو منزلتهم، هؤلاء الملائكة لا عمل لهم إلا أن يسبحوا بحمد ربهم ويستغفروا للذين آمنوا. وتأمل في دعائهم مسألة التخلية ثم التحلية يقولون: ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾ [غافر: 7] هذه هي التخلية أولا من المؤلم، ثم تأتي التحلية بالنعمة التي تسر، وذلك في ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم.. ﴾ [غافر: 8] لأن التخلية والنجاة من العذاب أولى من التنعم، والقاعدة أن دفع الضرر مقدم على جلب النفع، لذلك قال تعالى:

فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..

[آل عمران: 185]. ثم إن دعاءهم لم يخص المؤمنين فحسب، إنما يشمل العائلة كلها ﴿ ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم.. ﴾ [غافر: 8] فذكروا الشجرة كلها، لأن الآباء يسرون بوجودهم مع الأبناء فلم يقطع عليهم هذه النعمة. وفي موضع آخر ذكر حيثيات هذه النعمة، فقال سبحانه:

والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم..

[الطور: 21] إذن: المقصود هنا الإيمان، والإلحاق دل على أن أحدهما كامل والآخر أقل، وإلا لو كانوا متساوين في العمل لأخذ كل منهم بفتحة ذراعيه. ومعنى:

ألحقنا بهم ذريتهم..

[الطور: 21] لا يقصد بها أن نأخذ المتوسط الحسابي يعني: ما عمله الآباء وما عمله الأبناء ويقسم على الاثنين، لا

ومآ ألتناهم من عملهم من شيء..

[الطور: 21] يعني: ما نقصنا شيئا من أجورهم، فالإلحاق تفضل من الحق سبحانه لقرة عيون الآباء بالأبناء لكن بشرط الإيمان، لماذا؟ لأنهم لو لم يكونوا مؤمنين لكره الآباء معيتهم ومصاحبتهم. فإن قلت: إذن يكون للإنسان ما لم يسع به. يعني: يأخذ ثمرة عمل الغير، نقول: لا لأنه آمن والإيمان من عمله، صحيح

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

[النجم: 39]. لكن لا تنظر لسعيه هو، إنما وسع الدائرة وانظر لمن جعله يسعى هذا السعي الطيب، إنها التربية الصالحة، لذلك ورد في الحديث الشريف

" إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: أو ولد صالح يدعو له "

فكلمة صالح هذه من عمل من؟ من عمل الآباء. إذن: حين نعطي الأب ثواب الدعاء الصالح من الابن إنما نعطيه حقه وثمرة عمله وسعيه في هذا الابن، والأب إذا كان صالحا تحرى ان ينفق على ولده من حل، وحين يتحرى ذلك ربما يضيق عليه في النفقة، لأن بعض الأغنياء الذين لا يتحرون الحلال في الكسب ينفقون على أولادهم ببذخ وإسراف في الملبس والمأكل والسيارات الفارهة.. إلخ لأنهم جمعوا هذه الأموال من مهاوش. والرجل الصالح ينأى بنفسه وأولاده عن الحرام، لذلك ربما يشقى الصالح بالصلاح في الدنيا ويصبر على هذا الشقاء وهذا الحرمان، وهذا كله من عمله. لذلك كانوا كثيرا ما يناقشوننا في قوله تعالى:

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

[النجم: 39]. يقصدون كيف ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ وقلنا لبيان ذلك مثلا: إننا نؤمر بالصلاة على الميت، هذه الصلاة تفيده أم لا؟ إن كانت لا تفيده فهي إذن عبث، وإن كانت تفيده فهل استفاد بعمل غيره؟ نعم يستفيد الميت بدعاء الحي له في صلاة الجنازة، لكن هذا الدعاء في حد ذاته يعتبر من عمل الميت، لأن ثمرة إيمانه بالله، ولولا أنه مؤمن ما صلينا عليه، فأنت حين تصلي صلاة الجنازة لا تصلي على مطلق ميت، إنما على ميت آمن بربه عز وجل، والإيمان من عمله، وبالتالي صلاتك عليه أيضا من عمله. أو نقول في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٥٠