تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.66

قل الخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله.. ﴾ [غافر: 66] يعني: المسألة ليست من عندي، إنما هي نهي من الله جاءني في آيات بينات واضحات ﴿ وأمرت أن أسلم لرب العلمين ﴾ [غافر: 66] أي: أسلم قيادي وأمري لرب العالمين سبحانه. نعم، لأن الإنسان منا حتى في دنيا الناس حينما يكون لا يحسن شيئا ولا تسعفه أسبابه يلجأ إلى من يقضي له حاجته ويقدر عليها، كما نذهب مثلا للمحامي في رفع قضية أو نذهب للطبيب للتداوي.. إلخ لأنك لا تستطيع أن تدافع عن نفسك أمام القاضي، ولا تستطيع أن تداوي مرضك، فإذا ما ذهبت إلى واحد من هؤلاء فلا شك أنك تسلم له زمام أمرك، وتفوضه أن يفعل ما يراه صالحا دون أن تناقشه أو تعترض عليه. إذن: معنى ﴿ أسلم لرب العلمين ﴾ [غافر: 66] يعني: إسلام الزمام من عاجز عن شيء لقادر على هذا الشيء، فإذا أمرك ربك أمرا فخذ الأمر من منطلق إيمانك به، كيف؟ قال: مثل حالي مع الطبيب حين يصف لي الدواء المناسب لحالتي لا أناقشه فيه، ولا أقول له: لم كتبت كذا وتركت كذا؟ حتى حين أسأل عن الدواء أقول: والله كتبه لي الطبيب، وألقى التبعة والمسئولية عليه. فإذا كنت تسلم أمرك وزمامك للطبيب وهو بشر مثلك يخطئ ويصيب لأنك رأيت له حكمة فوق حكمتك وعلما ليس عندك، كيف تفعل هذا معه ولا تفعله مع الله عز وجل، وهو العليم الحكيم القادر؟ إذن: ما أمرك به ربك فامتثل للأمر ونفذ دون نقاش أو اعتراض أو تبرم بما قضى عليك به. والحق سبحانه يعلمنا درس التسليم له سبحانه في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيف أنه أسلم وجهه، وألقى زمام أمره لربه تعالى، حينما أمره بذبح ولده إسماعيل الذي لم يرزق به إلا على كبر وبعد يأس، لذلك قال:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر..

[إبراهيم: 39]. أراد المفسرون تقريب هذا المعنى، فقالوا: المراد الحمد لله الذي وهب لي على الكبر، فجعلوا على بمعنى مع، وفرق بين كلمة من حرفين، وكلمة من ثلاثة أحرف، ولا يعدل القرآن الكريم عن الحرفين ويختار الثلاثة إلا لملحظ يحتاجه المعنى، فما هو؟ قالوا: معنى مع الكبر أي: مظنة ألا ينجب، لكن مراد الله تعالى فوق هذه المظنة، يعني:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر..

[إبراهيم: 39] لا مع الكبر. كذلك في قصة سيدنا زكريا عليه السلام قال:

أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك

[مريم: 8-9].

إذن: فمعنى

على الكبر

[إبراهيم: 39] أن الكبر كان يقتضي عدم الإنجاب لكن مراد الله أعلى من الكبر وفوقه. ونفهم هذا المعنى أيضا من قوله تعالى:

وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم

[الرعد: 6] البعض قال: يعني مع ظلمهم، وهذا لا يصح بل على ظلمهم كما أرادها الحق سبحانه، لأن الظلم يقتضي العقاب، لكن تأتي مغفرة الله وتعلو على الظلم، وعلى قانون مجازاة الظالم بظلمه. وقوله: ﴿ نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ [غافر: 66] نهي لأنه محب له، فقال له: وجه عبادتك لمن يقدر أن يفعل لك، وهذا النصح لا يكون إلا من محب كما تنصح صاحبك وتدله على الخير، ولولا حبك إياه ما نصحته. وقوله: ﴿ وأمرت أن أسلم لرب العلمين ﴾ [غافر: 66] أسلم قيادي وزمام حركتي في الحياة لربي أفعل ما أمر بفعله، وأنتهي عما نهاني عنه، أمر سكت عنه ولم يقل لي فيه: افعل ولا تفعل فأدخله في مقام المباح، ولو كان أمرا النفس العادية تنفر منه. وحتى إن حكم عليك حكما ترى فيه مشقة ظاهرية على نفسك فاعلم أنه يريد لك الخير من حيث لا تدري، كما قلنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وتعلمون أن سيدنا إبراهيم ابتلاه ربه بأمور كثيرة كلها مشقة:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن

[البقرة: 124] ولما أتمهن

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٩٩