تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين

[الشعراء: 109]. نعم أجرهم على الله لأنه غال لا يقدر عليه إلا الله، فلا أحد يستطيع أن يجازي الرسول على رسالته في هداية قومه ولو أعطاه مال الدنيا كلها. والتقلب في البلاد أي: التنقل من مكان لمكان فيها لا يتم إلا بعدة أشياء أهمها: سلامة الأبدان لتحمل مشقة السفر، ثم الأمن من خوف الطريق، ثم وجود كفايات له في المنازل التي ينزل فيها في طريقه، لذلك يقول تعالى في موضع آخر:

أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين

[النحل: 45-46]. يعني: في أوج قوتهم وتمكنهم من الحركة والتنقل يأخذهم الله بالعذاب، هذا لون من الأخذ

أو يأخذهم على تخوف..

[النحل: 47] أي: يخيفهم أولا ويفزعهم قبل أن يأخذهم وهذا لون آخر، كالذين نزلت بهم الصاعقة فأفزعتهم قبل أن يحل بهم عذاب الله، هذان لونان من أخذ الله للكافرين.

40.5

المعنى: أنهم ليسوا بدعا في الوجود، كما أنك لست بدعا في الرسل، فقد سبقك إخوانك من الرسل فكذبوا كما كذبك قومك، لكن ماذا كانت نتيجة التكذيب؟ أبعث الله رسولا وتركه وأسلمه؟ كلا والله بل سنة الله في رسله أن ينصرهم وأن يخذل أعداء دعوته، قال تعالى:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. وهذا ليس كلاما نظريا نسليك به يا محمد، إنما له واقع وله نظائر تؤيده في موكب الرسالات، كما قال سبحانه عن المكذبين:

فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا..

[العنكبوت: 40] أي: ريحا ترميهم بالحجارة المحمية

ومنهم من أخذته الصيحة..

[العنكبوت: 40] وهم قوم ثمود

ومنهم من خسفنا به الأرض..

[العنكبوت: 40] كما خسف بقارون

ومنهم من أغرقنا..

[العنكبوت: 40] كما فعل بقوم نوح وبقوم فرعون. فسنة الله في الرسالات أن ينصر رسله وأن يهزم عدوه، لذلك قلنا: إذا رأيت الأمة الإسلامية تنهزم في معركة، فاعلم أنه اختل فيها شرط الجندية لله، ولو بقيت على شرط الله في الجندية ما انهزمت أبدا. فقوله تعالى: ﴿ كذبت قبلهم.. ﴾ [غافر: 5] أي: قبل قومك الذين كذبوك قوم نوح وهذه تسلية لرسول الله وتخفيف عنه، فليس التكذيب للرسالات شيئا جديدا، واختار قوم نوح بالذات لأن رسالة نوح عليه السلام كانت أطول رسالة، حيث لبث في دعوة قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، كل هذا العمر الطويل وهم يجادلون رسول الله نوحا ويكذبونه ويعاندونه، لذلك يئس من صلاحهم ودعا عليهم:

رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا

[نوح: 26-27]. أما القلة التي آمنت معه فقد دعا لهم حيث بدأ بنفسه:

رب اغفر لي ولوالدي..

[نوح: 28] ثم

ولوالدي..

[نوح: 28] لأنهما سبب وجودي

ولمن دخل بيتي مؤمنا..

[نوح: 28] وهم ما لهم صلة به، ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات

وللمؤمنين والمؤمنات..

[نوح: 28]. إذن: ذكر تكذيب قوم نوح بالذات لأنه العمدة في هذه المسألة وهو الأوضح والأعنف، ولا تخفى عليكم المواقف التي تعرض لها نوح عليه السلام من تكذيب قومه وإيذائهم له واستهزائهم به، وهو يصنع السفينة. وقوله: ﴿ والأحزاب من بعدهم.. ﴾ [غافر: 5] المراد عاد قوم هود عليه السلام وثمود قوم صالح عليه السلام، وهذا ليس كلاما نظريا بل هو واقع يرونه ويمرون بهذه الديار الخربة:

وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون

[الصافات: 137-138]. إنهم يمرون في أسفارهم بالأحقاف وبمدائن صالح، وعندنا في مصر آثار الفراعنة كلها تشهد بصدق الله في هذا البلاغ، وها هي أكثر دول العالم تقدما الآن وحضارة تقف عاجزة أمام حضارة الفراعنة، وكيف أنهم وصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ومع ذلك فاتتهم هذه الحضارة لأنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يصونها لهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٤٤