40.4
الرسول صلى الله عليه وسلم جاء رسولا من عند الله بما يخرج الجاهلية إلى مقام العلم عن الله، وبذلك تتطهر حركة حياتهم من كل ما يعطي في الكون ذبذبة أو كل ما يعطي في الكون تعاندا حتى يصير الكون كله متساندا متعاضدا، بحيث لا يبني واحد ويهدم الآخر، فيقول سبحانه: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4]. الجدل: إبرام الشيء إبراما حقيقيا بحيث يستحيل أن ينقض، وهذه المسألة مثل عملية فتل الحبال عندنا في الفلاحين، حيث يأخذ الرجل شعيرات التيل المعروف ويظل يبرم فيها، إلى أن تتداخل الشعيرات وتتماسك وتتداخل، لذلك نرى الحبل قويا متينا. وسمي المراء بين الناس جدلا، لأن كل واحد من الطرفين يريد أن يحكم منطقه وحجته ليغلب الآخر، فكل منهم يجادل لحساب نفسه، صاحب الحق يجادل لإظهار حقه، وصاحب الباطل يجادل ليحق باطله. أي: يظهره في صورة الحق. لكن هل الجدل مذموم في ذاته؟ لا، لأن الجدل بحسب الغاية منه لذلك يقول تعالى:
ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن
[العنكبوت: 46] فدل ذلك على أن في الجدل ما هو حسن وأحسن، والجدل الحسن هو الذي يسعى لإيجاد الحجة على أن الحق حق والباطل باطل، فإن كان العكس فهو جدل باطل مذموم. لذلك نفهم من قوله تعالى: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [غافر: 4] أن هذا هو الجدل الباطل لأن الجدل يكون عنها لا فيها، يجادل عنها أي: يدافع عنها ليثبت صدقها ويظهر الحق الذي جاءت به، أما يجادل في الآيات. أي: يحاول التشكيك فيها وتكذيبها. وقلنا: إن آيات الله على ثلاثة أنواع، وهذه هي التي يحدث فيها الجدل: الآيات الكونية التي تشهد بوجود الخالق الأعلى سبحانه، والآيات البينات المعجزة التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، والآيات القرآنية التي تحمل الأحكام. فالآيات الكونية التي تثبت قدرة الله الخالق الأعلى سبحانه هي التي نشاهدها في الأرض وفي السماء، في الشمس والقمر والنجوم والماء والهواء.. إلخ وهذه الآيات أوجدها الخالق سبحانه على هيئة الصلاح، وعلى قانون ثابت لا يتخلف، ولا دخل للإنسان في حركتها. وسبق أن قلنا: إن الفساد في الكون يطرأ من تدخل الإنسان وامتداد يده إلى مخلوقات الله بغير قانون الله الذي خلق، ولو تدخل الإنسان في الأشياء بقانون الخالق ما رأينا هذا الفساد الذي يعم الكون الآن لذلك يوضح لنا الحق سبحانه هذه القضية، فيقول:
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها
[الأعراف: 56]. والمعنى: أن الحق سبحانه خلق الأرض على هيئة الصلاح، فإياكم أن تفسدوها لذلك يرجع الحق سبحانه الفساد الحادث في الأرض إلى الناس، فيقول:
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس
[الروم: 41]. نعم، لوثنا المياه وألقينا فيها النفايات والمخلفات فماتت الأسماك وظهرت الأمراض، أفسدنا الهواء وأفسدنا التربة الزراعية.. إلخ ذلك لأننا تدخلنا في مخلوقات الله بغير قانون الله، وبغير منهج الله الذي وضعه لصلاح الكون. لكن أي هذه الآيات الثلاث يجادل فيها الكافرون؟ بالطبع هم لا يجادلون في الآيات الكونية ولا يتعرضون لها، لأنهم أولا ينتفعون بها ويرون فيها نظاما دقيقا محكما لا يشذ ولا يتخلف، فلا مجال إذن للجدل فيها. إنما يجادلون في الآيات الأخرى في آية المعجزة، وفي آيات الكتاب حاملة الأحكام فيشككون فيها. أما المعجزة فقالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. إذن: اعتراضهم هنا ليس على القرآن في ذاته إنما في من أنزل عليه، فالقرآن في نظرهم لا غبار عليه لولا أنه نزل على محمد، لكن كفرهم يوقعهم في التناقض فيقولون:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم