40.2
مادة نزل وردت في القرآن بصيغ عدة: أنزلنا، نزلنا، تنزيل، نزل. وكلها تعطي معنى العلو للذي نزل، وصفة العلو تدل على أن المنزل ليس من صنع البشر، وتدل على عظمة المنزل ومنزلته، حتى إن كان من جهة الأرض لا من جهة السماء، كما قال تعالى في الحديد:
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25]. ومعلوم أن الحديد يستخرج من الأرض لا ينزل من السماء، فالمعنى: أنزلناه على أنه هبة العالي للأدنى، ولا بد أن يكون الأعلى أعظم من الأدنى. ونقول ذلك حتى في الأحكام والقوانين حين نريد أن نشرع ونقنن القوانين. لا تتركوا قوانين الأعلى وتأخذوا بقوانين الأدنى، لأن المقنن الأعلى سبحانه غير المقنن من البشر، فمهما بلغ من العلم والحكمة فلن يخلو من هوى ولن يتنزه عن غرض، فإن كان من الأغنياء يقنن للرأسمالية، وإن كان فقيرا قنن للشيوعية. لذلك يشترط فيمن يقنن ألا يكون له هوى، وألا يكون منتفعا بما يقنن، وأن يكون محيطا بالأمور كلها بحيث لا يستدرك عليه ولا ينسى جزئية من جزئيات الموضوع، وهذه الشروط كلها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه، لذلك لا يجوز لنا أن نترك قانون الله وشرعه ونتحاكم إلى قانون البشر. لذلك تعرض الإسلام لحملات ضارية وانتقادات من غير المسلمين كان آخرها الضجة التي أثاروها في الفاتيكان على الطلاق في الإسلام، لأنهم قننوا لأنفسهم بعدم الطلاق، لكن الطلاق في الإسلام من شرعه؟ الله لا البشر. إذن: فهو الصواب وغيره خطأ، لأنك لا تستطيع أبدا أن تديم علاقة بين زوجين يكره كل منهما الآخر وهو مأمون عليها وهي مأمونة عليه؟ كيف تحكم علي أن أعيش مع امرأة لا تثير غرائزي. إذن: شرع الطلاق في الإسلام لحكمة، لأن المشرع سبحانه أعلم بطبائع الخلق، ومرت الأيام وألجأتهم أقضية الحياة ومشاكل المجتمع لأن يشرعوا هم أيضا الطلاق، ما أباحوه لأن الإسلام أباحه ولا محبة في دين الله ولا إيمانا بشرع الله، إنما أباحوه لأن الحياة فرضت عليهم قضايا لا تحل إلا بالطلاق. وهذه المسألة هي التي أجبنا بها حين سئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون
[الصف: 8] وقال:
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
[التوبة: 33]. يقولون: مر على الإسلام أربعة عشر قرنا من الزمان وما يزال أغلب الناس غير مسلمين، والإسلام ليس هو الدين الغالب بل مهدد ومحارب. قلنا: لو تأملتم معنى الآية لعرفتم أن إظهار الدين لا يعني أن يؤمن كل الناس، إنما يظهر على غيره من الشرائع والقوانين ويضطر غير المسلمين لأن يأخذوا بالإسلام في حل قضاياهم، وقوله تعالى:
ولو كره المشركون
[التوبة: 33]
ولو كره الكفرون
[التوبة: 32] دليل على وجود الكفار والمشركين مع وجود الإسلام. وكلمة الكتاب أي: القرآن، سماه الله كتابا لأنه مكتوب، وقرآنا لأنه مقروء، أو هو كتاب إيذانا بأن يكتب، وهو قرآن إيذانا بأن يقرأ، والقراءة إما من السطور وإما من الصدور الحافظة، وسماه وحيا لأنه أوحي به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم:
إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 4] إذن: لكل تسمية ملحظ. ولما أرادوا جمع القرآن اشترطوا أن تتوافق فيه الصدور والسطور، فما كتبوا آية واحدة إلا إذا وجدوها مكتوبة في الرقاع وشهد شاهدان بصحتها، ورحم الله سيدنا الشيخ محمد عبد الله دراز الذي قرن بين هذه المسألة وقوله تعالى:
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى..
[البقرة: 282]. ثم يقول سبحانه: ﴿ من الله العزيز العليم ﴾ [غافر: 2] فهذا الكتاب منزل من عند الله المتصف بصفات الكمال المطلق، وله سبحانه طلاقة قدرة وطلاقة حكمة وطلاقة رحمة وطلاقة رحمانية، وما دام الكتاب جاء ممن هذه صفاته فلا يمكن أن يستدرك عليه، وما دام لا يستدرك عليه فصدقوا الآية: