تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.12

الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن العقائد وأيدها بالمعجزات، كان من الواجب أن نستقبل أحكامه تعالى فيها بالرضا والقبول، فلم يكلفنا سبحانه بحكم افعل ولا تفعل إلا بعد أن قدم حيثيات الإيمان الأعلى بالإله الأعلى، وآمن من آمن به وكفر من كفر رغم كل مصالحنا في تنظيم حركة الحياة بمنهج الله. فإذا حكم علينا بحكم فيجب أن نطيعه، وإذا استقر في أذهانكم شيء يخالف ذلك فإن واقعكم يؤيد أنكم لم تؤمنوا بقلوبكم ﴿ ذلكم ﴾ [غافر: 12] أي: ما يحدث منكم من مواجهة الدعوة ومصادمتها ووقوفكم هذا الموقف المعادي ناشئ من ﴿ إذا دعي الله وحده كفرتم ﴾ [غافر: 12] أي: كفرتم به. وفي موضع آخر قال سبحانه:

وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون

[الزمر: 45]. أي: ظهر عليه الامتعاض والضيق لما سمعوا كلمة الله، لماذا؟ لأنهم يعلمون معنى الإيمان وما يترتب عليه من تكليف بمنهج: افعل كذا ولا تفعل كذا، يعلمون أن هذا المنهج يقيد شهواتهم فينهاهم عن أشياء محببة إليهم ويدعوهم إلى أشياء أخرى ثقيلة على نفوسهم، لذلك إذا ذكرتهم بالله وبمنهج الإيمان امتعضوا في حين إذا ذكر غيره سبحانه من آلهتهم ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ [الزمر: 45] ويفرحون، لماذا؟ لأن هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله ليس لها مطلوب ولا تكاليف بافعل ولا تفعل. إذن: أنتم مع هذه العبادة متروكون على هواكم، وعلى سيئات نفوسكم، هذا معنى الاستبشار ومعنى ﴿ وإن يشرك به تؤمنوا ﴾ [غافر: 12]. لكن بقيت حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهانكم: ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ [غافر: 12] فافرحوا بآلهتكم المزعومة كما تشاؤون، فأنا سأحكمكم بقدري قهرا عنكم فأمرضكم كما أحب، وأميتكم متى أشاء وأفقركم وأغنيكم.. إلخ فلن تخرجوا أبدا بشيء عن ملكي إلا فيما جعلت لكم فيه اختيارا. فأنتم مختارون في الإيمان والكفر فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، من شاء فليطع ومن شاء فليعص ولن تنفعني طاعتكم، ولن تضرني معاصيكم، ومهما تمردتم في الأمور التي لكم فيها اختيار فإن مردكم إلي ومنتهاكم عندي. ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ [غافر: 12] الذي لا يمكن أبدا لأحد أن يتمرد على قدره، فإن كنتم ألفتم التمرد في الإيمان وفي الطاعة فأروني كيف تتمردون على الله فيما لا اختيار لكم فيه. ثم يذكر الحق سبحانه حيثيات العلو والكبرياء له سبحانه: ﴿ هو الذي يريكم آياته... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٥٤