ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا
[الإسراء: 11]. فقد تدعو أنت لنفسك بشر تحسبه خيرا، ومن رحمة الله بك ألا يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا من تصوب خطأ الداعين بألا تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير. وقلنا في ذلك: ما حال المرأة التي نسمعها تدعو على ولدها تقول: إلهي أشرب نارك؟ فمن رحمة الله بها ألا يستجيب لها، إذن في المنع هنا عطاء. لكم لماذا ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾ [غافر: 60] أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو واحدا إلا إذا كنت مطيعا له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" كل أمر لا يبدأ باسم الله فهو أبتر "
يعني: لا بركة فيه. وعلمنا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى الرحمن الرحيم هنا؟ قالوا: ربما كانت عاصيا فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه سبحانه لا يتخلى عن عبده حتى لو كان عاصيا، فهؤلاء سيدخلون النار داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أن يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار جزاء الاستكبار.
40.61
الحق سبحانه يذكر هنا آيتين من آياته الكونية هما آية الليل وآية النهار، الليل نعلمه وهو من مغيب الشمس إلى شروقها، والنهار نعلمه وهو من شروق الشمس إلى غروبها، هذا زمن والزمن وعاء الأحداث، وما دام الزمن وعاء الأحداث فلكل حدث زمن يقع فيه. فالحدث الذي يحتاج عملا له وقت، فحين تعمل بالنهار تتعب جوارحك وتحتاج إلى وقت للراحة، فجعل لك الخالق سبحانه الليل تستريح فيه والنهار تعمل فيه، تستريح بالليل لتستعيد قوتك ونشاطك للعمل في النهار التالي، وهكذا. فإن طرأت عليك ظروف منعتك من راحة الليل، فكيف تكون بالنهار؟ تكون متعبا لا توجد لك قوة تعالج بها شيئا، فكأن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن من خلقه متقابلات، ومن حمق البشر أن جعلوها متعاديات، وهي في الحقيقة متكاملات. واقرأ إن شئت قوله تعالى:
والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى
[الليل: 1-4]. وهذا يعني أن لليل مهمة، وللنهار مهمة، وللذكر مهمة، وللأنثى مهمة، فلا تظنوا عداء بين الليل والنهار، ولا بين الذكر والأنثى، فكل منهما مكمل للآخر وبينهما تساند لا تعاند كما يظن البعض. لذلك يقول تعالى في آية أخرى:
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون
[القصص: 71-72]. وتأمل تذييل الآية هنا وهنا: ففي الليل قال
أفلا تسمعون
[القصص: 71] لأن الليل تتعطل فيه حاسة البصر، وتبقى الأذن تسمع، وهي آلة الاستدعاء ليلا، أما في النهار فقال:
أفلا تبصرون
[القصص: 72] لأن البصر يكون في النهار. كلمة سرمد، بعض المفسرين يرى أن الليل ليس سرمدا، كذلك النهار بمعنى أنه ليس دائما مضطردا، لكن إذا نظرنا إلى حركة الأرض وتعاقب الليل والنهار وجدنا فيهما سرمدية، لأن الليل حين يغادرنا يذهب إلى آخرين لا أنه سرمد وينتهي. فهما إذن دائمان سرمديان، لكن السرمدية المنفعية هي السرمدية بالنسبة للمكان الواحد، فلهما سرمدية في ذاتهما سرمدية في كل مكان، أما سرمدية المكان الواحد فتنتهي لتبدأ في مكان آخر. لذلك يقول تعالى:
وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا
[الفرقان: 62] خلفة: يعني يخلف كل منهما الآخر، فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، هذا الآن واضح لنا كآية كونية، لكن ماذا عن بدء الخلق أيهما كان أولا وخلفه الآخر؟ قالوا: في البدء خلقهما الله معا في وقت واحد، لأن الشمس خلقت مواجهة للأرض، فما كان من الأرض ناحية الشمس كان نهارا، وما حجب عنها في الناحية الأخرى كان ليلا، ثم دارت الأرض في فلكها فتعاقب الليل والنهار، وهذا دليل على كروية الأرض ولو كانت مسطحة ما أمكن ذلك.