تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.44

قوله ﴿ فستذكرون مآ أقول لكم ﴾ [غافر: 44] يعني: إن كنتم تكذبونني الآن وأنا أريد أن أخرجكم مما تعودتم عليه من عبوديتكم لفرعون فسوف تذكرون ما أقوله لكم من النصح والمراد تذكرونه في الدنيا أو تذكرونه في الآخرة ﴿ وأفوض أمري إلى الله ﴾ [غافر: 44] أي: أرد أمري إليه سبحانه فهو وليي. وكأنه استشعر أن هذا الكلام الذي قاله سيغضب فرعون، ولا بد أنه سيبيت له لينتقم منه دون مجابهة أو مواجهة حتى لا يؤلب عليه القوم، فقال ﴿ وأفوض أمري إلى الله ﴾ [غافر: 44]؟ يعني: إن كنت قد بليت بأمر نتيجة ما أفضت فيه من شرح منهج الله والدفاع عن نبيه موسى والاستماع إلى المنهج الحق والسير عليه، فأرجو أن يعطيني من العمل ما ينفعني في الآخرة ﴿ إن الله بصير بالعباد ﴾ [غافر: 44] فكانت نتيجة تفويض أمره لله: ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا... ﴾.

40.45-46

قوله تعالى: ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ [غافر: 45] يعني: لم يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام من؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يصبه مكروه ولم تضره محاولات فرعون للانتقام منه. لكن ولم العجب؟ الوقاية من الله ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ [غافر: 45] لأن الفعل لا يترك لذاته ولا يؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بد من مصاحبة الفعل للفاعل، فالفعل قد يكون واحدا لكن يختلف الحكم فيه سعادة به أو شقاء بالنظر إلى الفاعل. قلنا: هب أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول سؤال تبادره به؟ من فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل منه بقدر انشغالك بمن فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول له: لا بد أنك فعلت شيئا يستحق العقاب فضربك، لكن إن قال لك: ابن فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: فكل فعل لا يحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي التي يترتب عليها رد الفعل منك. وهذه المسألة حلت لنا الإشكال في قضية الإسراء والمعراج، وفسرت لنا قوله تعالى:

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا

[الإسراء: 1] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجب إذن، فالفعل يتناسب وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخلق. ولو قال: محمد سرى لكان لنا كلام وجدال، أما وقد أسرى الله به فلا عجب في ذلك. كما لو قلت: صعدت بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد الرضيع قمة الهملايا؟ كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأي قوة إذن وأي طاغية أو جبار يستطيع أن يؤذيك، والله واقيك منه. وقد جاءت هذه الوقاية إجابة وردا لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن قال: ﴿ وأفوض أمري إلى الله ﴾ [غافر: 44] فجاء الرد فورا ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ [غافر: 45]. وهذه الآية وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكم حين قال: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى:

حسبنا الله ونعم الوكيل

[آل عمران: 173] لأني سمعت الله بعقبها يقول:

فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء..

[آل عمران: 174]. وعجبت لمن مكر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: ﴿ وأفوض أمري إلى الله ﴾ [غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول: ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى:

ما شآء الله لا قوة إلا بالله

[الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك

[الكهف: 40]. وعجبت لمن اغتم - والاغتمام انقباض الصدر وضيق النفس دون أن تعرف له سببا - ولم يفزع إلى قوله تعالى:

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

[الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٨١