تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.49-50

نفهم من قوله تعالى على لسان أهل النار: ﴿ ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ﴾ [غافر: 49] كأنهم أقروا بأنفسهم أنهم ليسوا أهلا لأن ينادوا الله أو يدعوه. لذلك نادوا الملائكة، فرد الملائكة عليهم: ﴿ أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ﴾ [غافر: 50] أي: بالحجج والبراهين الدالة على صدق الرسل ﴿ قالوا بلى ﴾ [غافر: 50] أي: جاءتنا الرسل بالبينات، فأقروا على أنفسهم. ﴿ قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ [غافر: 50] أي: دعاؤهم هباء لا يجدي ولا ينفعهم - ولا يخفى ما في الآية من التبكيت والتقريع للكافرين والاستهزاء بهم.

40.51-52

هذا وعد منه سبحانه أن ينصر رسله وأن ينصر الذين آمنوا، كما قال سبحانه:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيت قوما نسبوا إلى الإسلام وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلت فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت فيهم شروط النصرة فلا بد أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله لا تتبدل. قوله تعالى: ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾ [غافر: 51] جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنا لننصر رسلنا بأي وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولا بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يسلمه. لكن الحق سبحانه قد يترك أمر الدعوة في أولها تضطهد وتعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابة أن يمحصوا، وأن يختبر إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ. رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، قال تعالى:

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 2]. أبدا، والفتنة معناها عرض الناس على محن وشدائد لا يثبت أمامها إلا أقوياء العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في الآخرة أمر واضح لا شك فيه، لأن الإنسان دائما لا يخدع نفسه وإن خدع الآخرين.

" لذلك لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حذيفة: " كيف أصبحت يا حذيفة "؟ قال: أصبحت بالله مؤمنا حقا. ولما كانت كلمة حقا هنا كلمة كبيرة المعنى سأله رسول الله: " وما حقيقة إيمانك "؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال له: " عرفت فالزم ".

ومعنى ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ [غافر: 51] أي: ينصرهم في الدنيا بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه:

فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون

[غافر: 77] إذن: فهناك نصرة في الدنيا ونصرة في الآخرة. ثم يبين سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة ﴿ ويوم يقوم الأشهاد ﴾ [غافر: 51] والأشهاد جمع شهود، فالشهود يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء:

يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب

[المائدة: 109]. والمؤمنون يشهدون أنهم بلغوا من بعدهم:

هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس..

[الحج: 78] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها. وكذلك يشهد علينا الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقتلوا، لأن الإنسان قد يدلس في حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبدا بعد أن يموت، فهو حريص أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله. فلو تطوع إنسان لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: أنت مت في الدنيا من أجلي فلا بد أن تكون حيا عندي لذلك قلنا في فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلت لك من الموت عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حيا عند الله، فوصلت حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٨٤