40.55
كلمة ﴿ فاصبر ﴾ [غافر: 55] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم خوطب بها في مواطن شدة، هذه المواطن قال الله فيها:
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب
[البقرة: 214]. وقوله: ﴿ إن وعد الله حق ﴾ [غافر: 55] الوعد هو: الإخبار بالخير قبل أوانه، ووعد الله حق. يعني: متحقق لأن الوعد أن تعد إنسانا وتبشره بالخير والنعيم والسعادة، فهل تقدر وتضمن أن تفي بوعدك؟ لا فربما تموت قبل أن يأتي أوانه، أو تضعف قدرتك التي تفعل بها فلا تستطيع، أما إذا جاء الوعد من القيوم القادر الذي لا يعارض، وهو سبحانه باق لا يزول، فهو إذن وعد حق لا بد أن يتحقق. لذلك يعلمنا الحق سبحانه ألا نجزم بوعد، ولا تقوله بصورة القطع لأنك من الأغيار، يقول تعالى:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله
[الكهف: 23-24]. فتعليق الوفاء على المشيئة يعفيك من الاتهام بالكذب لو لم تفعل فلو قلت أفعل كذا وكذا غدا، هل تملك أسباب الوفاء؟ هل تملك الزمن أو تضمن القوة الفاعلة؟ أبدا لا تضمن بقاء شيء من هذه الأسباب، إذن فقل: إن شاء الله ونزه نفسك عن الكذب لو لم تفعل. وقوله: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55] يعني: اطلب المغفرة، وكلمة ﴿ لذنبك ﴾ [غافر: 55] هل تعني أن الرسول فعل ذنبا؟ قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه، وله رأي ببشريته في الأمور التي لم يأت فيها حكم من الله، حتى إن كان رأيه صوابا فرأى الحق سبحانه أصوب. لذلك يصوب له ربه ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55] فمن أي شيء يستغفر رسول الله؟ يستغفر الله من استبطاء النصر في قوله تعالى:
حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله
[البقرة: 214] فالنصر آت، فلم استبطاؤه؟ لذلك وردت في القرآن آيات تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل شيئا يعاتب عليه، والحق سبحانه صحح له وصوب له فعله، لكن كيف جاء هذا العتاب؟ تأمل قوله تعالى:
عفا الله عنك لم أذنت لهم
[التوبة: 43] فقبل أن يعاتبه قدم العفو عنه. لكن لماذا أذن الرسول لهؤلاء؟ قالوا: إن الذي شغل رسول الله في هذه المسألة أنه قال في نفسه أن الذي يطلب الإذن مني في ألا يقاتل إما صادق العذر فلا مانع من الإذن له، وإما كاذب العذر وهذا لا خير فيه، وعدمه أفضل من وجوده بين الصفوف، كما قال تعالى:
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة
[التوبة: 47]. ثم إن هذا العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
لم أذنت لهم
[التوبة: 43] لم نعلمه إلا من رسول الله نفسه، ولولا إخباره به ما علمناه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أن يعاتبه ربه، وأن يصوب له اختياره. وقد أوضحنا هذه النقطة في مسألة التبني التي كانت بين سيدنا رسول الله وزيد بن حارثة، وكيف أن الحق سبحانه لما أراد إبطال عادة التبني جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة نموذجا لهذا الحكم الجديد. فزيد كان عبدا عند خديجة ووهبته لرسول الله، ولما علم أهله بوجوده بمكة عند رسول الله جاءوا واستأذنوا فيه رسول الله، فما كان من رسول الله إلا أن خيره بين البقاء معه أو الذهاب مع أهله، فاختار زيد البقاء مع رسول الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكرم زيدا لموقفه منه وحبه للبقاء في صحبته فتبناه ونسبه إليه، فصار زيد من يومها يعرف بزيد بن محمد. لكن أراد الحق سبحانه أن يبطل هذه العادة، وأن يحرم التبني فأنزل:
ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم
[الأحزاب: 5]. فمعنى
أقسط عند الله
[الأحزاب: 5] أن ما فعله رسول الله قسط وعدل، لكن حكم الله أقسط وأعدل، فهل هذا التصويب يغضب رسول الله؟ أبدا بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا به ولو كتمه رسول الله ما عرفناه. كذلك في قوله تعالى في أسرى بدر: