تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. إلخ فتأمل من المستفيد من تطبيق هذا المنهج؟ وقوله: ﴿ يلقي الروح ﴾ [غافر: 15] الروح لها معان عدة. فالذي يتبادر إلى الذهن أنها هي الروح التي تدب في المادة فتمنحها الحياة والحركة، وهذه هي الروح التي ألقاها الخالق سبحانه في آدم فتحرك وأدت كل الجوارح وظائفها بعد أن كانت طينا. ثم أراد سبحانه أن يحرس حركة المادة حتى لا تنطق في شهواتها، فأنزل روحا أخرى من عنده سبحانه هي المنهج القيمي في القرآن الكريم لذلك قال سبحانه:

يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

[الأنفال: 24]. كيف يحييهم وهم أحياء مخاطبين بهذا الكلام؟ نعم هم أحياء حياة المادة بالروح التي دبت في أجسامهم فتحركوا بها، إنما المراد هنا حياة أرقى من حياة المادة هي حياة القيم التي ترقي حركة الإنسان وتجعلها دائما في الخير لنفسه ولمن حوله، وكما أن حياة المادة لها روح كذلك حياة القيم لها روح. لذلك سمى القرآن روحا، وسمى الذي نزل به من الملائكة روحا، فقال سبحانه:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا

[الشورى: 52]. وقال:

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193]. هذه هي حياة القيم والمثل الرفيعة، الحياة التي تؤهلك لحياة أخرى باقية لا تفنى، ولك أن توازن بين حياة تؤهلك للدنيا الفانية وحياة تؤهلك للآخرة الباقية، لابد أنك ستجد الروح الثانية أعظم وأفضل من الأولى. ويكفي في التفريق بينهما أن الروح الأولى، وهي روح المادة تسري في المؤمن والكافر، وبهذه الروح يأتي كفر الكافر ومعصية العاصي، أما روح المنهج والقيم فلا تكون إلا للمؤمن، ولا تحركه إلا في الخير حركة سوية تسعده وتسعد من حوله في الدنيا قبل الآخرة. لذلك قال سبحانه:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 64] ومعنى الحيوان يعني: الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا ينتهي نعيمها ولا يدركها فناء، وإن كان نعيم البشر في الدنيا على قدر حركتهم وإمكاناتهم فنعيمهم في الآخرة على قدر المنعم سبحانه. ثم أنت تعيش في الدنيا عرضة للموت يهددك في كل لحظة، وربما يهجم عليك بغتة فليس له وقت ولا سن معين، وليس له سبب يرتبط به، فمنا من يموت بعد عام، ومنا من يموت بعد مائة عام، ومنا من يموت وهو في بطن أمه، الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا بين مريض أو سليم. لذلك أبهمه الله، لماذا؟ لنظل دائما ذاكرين له منتظرين هجمته، فكأن الإبهام هنا هو عين البيان. لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:

تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

[الملك: 1-2]. تأمل

خلق الموت والحياة

[الملك: 2] فبدأ بالموت وقدمه على الحياة، وكأنه سبحانه يقول لنا: لا تستقبلوا الحياة إلا وفي أذهانكم الموت، لماذا؟ لأن ذكر الموت يمنع الغرور بالدنيا والركون إليها ويضبط سلوك الإنسان، فلا يتحرك إلا في الخير لأنه دائما يعمل حساب العواقب التي تنتظره. وقوله سبحانه: ﴿ على من يشآء من عباده ﴾ [غافر: 15] يعني: على من يختاره ويصفيه لهذه المنزلة، وهذا مثل قوله تعالى

الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس

[الحج: 75]. وقوله تعالى:

الله أعلم حيث يجعل رسالته

[الأنعام: 124]. ثم يوضح الحق سبحانه العلة من قوله: ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده ﴾ [غافر: 15] لماذا؟ ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ [غافر: 15] يعني: إياك أن تفهم أن المسألة تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، ويفلت أهل المعاصي بمعاصيهم وأهل الظلم بظلمهم لا، إنما هناك مرجع ومرد إلى هذا الإله الذي كفرت به أو الذي عصيته وتجرأت على محارمه، تذكر هذه الحقيقة مهما نفرت عنه بالكفر أو نبا جانبك عن جانب ربك، فأنت مردود إليه رغما عنك، موقوف بين يديه، لا مهرب لك منه أبدا، ولا مفر. وقلنا: إن الإنذار يعني التخويف من شر قبل أوانه لتستعد له بأن تتجنب دواعي ما يخيف لتسلم منها، ولا معنى للأنذار ساعة وقوع الحدث، لابد أن يكون قبل الحدوث بفترة كافية تمكنني من أن أتدارك الأمر وأعمل حسابي. وقوله ﴿ يوم التلاق ﴾ [غافر: 15] أي: التلاقي، والتلاقي لا ينشأ إلا عن تباعد كان موجودا بين شيئين، فبين أي الأشياء يكون هذا التلاقي؟ قالوا: التلاقي هنا والمراد يوم القيامة سيكون في عدة صور، ففي الآخرة سترى الملائكة الذين آمنت بهم في الدنيا إيمانا غيبيا وتلتقي بهم مشهدا. وفي الآخرة سترى رحمك وأسرتك الكبيرة من لدن أبيك آدم حتى آخر ولد له في الدنيا، ستلتقي بهم جميعا، وسترى هذا الرحم الذي قطعته في الدنيا، ستتمثل لك هذه الشجرة الكبيرة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع، وعندها ستقول: كيف قطعت هذه الرحم؟ وكيف جفوت هذه القربات لسبب وبدون سبب، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٥٩