تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" كلكم لآدم، وآدم من تراب ".

ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:

" أنا الرحمن، وهذه الرحم اشتققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ".

وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دخل عليه حاجبه في يوم من الأيام وقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يقول أنه أخوك، فقال له: ألا تعرف إخوتي؟ قال: هكذا يقول الرجل، قال أدخله، فلما دخل على معاوية قال له: أي إخوتي أنت؟ قال: أنا أخوك من آدم، فضحك معاوية، وقال: رحم مقطوعة، والله لأكونن أول من وصلها، ثم قربه وأعطاه ما يريد.

ومن التلاقي الذي سيكون في الآخرة أن يلتقي المظلوم بظالمه، والخصم بمخصومه، نعم وعند الله تجتمع الخصوم، وعلى العاقل أن يحسب لهذا اللقاء ألف حساب، ومن تدبر العواقب نجا. ومن التلاقي في الآخرة أن يلتقي الإنسان بصحيفة أعماله التي أحصت عليه كل صغيرة وكبيرة

أحصاه الله ونسوه

[المجادلة: 6].

يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا

[آل عمران: 30]. يوم يقول لك ربك:

اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا

[الإسراء: 14]. ثم يرتفع التلاقي إلى قمته، فيلتقي المؤمنون بربهم عز وجل حين يتجلى عليهم سبحانه فيرونه، وتكون هذه أعظم النعم تفضلا من الله وكرما واقرأ:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة

[القيامة: 22-25]. وإذا كانت رؤية الحق سبحانه هي أعظم النعم للمؤمنين فهي أشد ألوان العذاب للكافرين لأنهم سيحرمون منها

كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

[المطففين: 15] يومها ستشتد حسرتهم وأسفهم:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. وجد الله الذي كفر به في الدنيا، ووجد العاقبة التي طالما حذرناه منها وذكرناه بها. وقوله تعالى: ﴿ يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ [غافر: 16] أي: في هذا اليوم يوم التلاقي يأتون بارزين علانية بعد أن كانوا مستترين بسيئاتهم في الدنيا، اليوم يفتضح أمرهم ويكشف سترهم ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ [غافر: 16] الجميع في ساحة واحدة: الملوك والسوقة، السادة والعبيد، الرؤساء والمرؤوسون، الجميع في مقام العبودية. لذلك سينادي الحق سبحانه: ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ [غافر: 16] يقولها الحق سبحانه لأنه تعالى كان يملك بعضنا في الدنيا، أما في الآخرة فلا ملك إلا لله وحده، لذلك يجيب على هذا السؤال المؤمن والكافر، الجميع يقولون ﴿ لله الواحد القهار ﴾ [غافر: 16] نعم لأنه إله غيره ولا ملك سواه. ومعنى ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ [غافر: 16] أن الملك لله اليوم وقبل اليوم، فهذه الحقيقة التي أنكرها الكفار في الدنيا اعترف بها المؤمنون الذين رضوا بالله ربا، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. فكلمة ﴿ اليوم ﴾ موجهة هنا إلى الكافرين الذين أنكروا هذه الحقيقة في دنياهم، لكنهم اعترفوا بها في الآخرة فأقروا ﴿ لله الواحد القهار ﴾ [غافر: 16].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٦٠