الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يعلموا خدم
فليس منا من هو مسخر فقط، بل كل منا مسخر في شيء ومسخر له في شيء آخر، لذلك يقول تعالى وهو يعلمنا هذا الدرس:
يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن
[الحجرات: 11]. لذلك لا تنظر إلى عمل على أنه أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل، والأفضل هو الذي يتقن عمله أكثر، فالعامل الذي يتقن عمله في الأدنى أفضل من العامل الذي لا يتقن عمله في العمل الأعلى. لذلك قال الإمام علي كرم الله وجه: قيمة كل امرئ ما يحسنه فمن أراد من العلو الأفضلية فليتقن عمله مهما كان هذا العمل حقيرا - أي: في نظر البعض منا - فليس في الإسلام عمل حقير، إنما هناك عامل حقير، وهو المتهاون الذي لا يجيد ولا يتقن ما في يده ولا يخلص فيه. وسبق أن ضربنا مثلا من فرنسا ومن مناقشات مجلس الشعب الفرنسي، وقد كانوا يعرضون علينا بعض المواقف الحاسمة في هذه المناقشات، منها أن نقيب العمال كان كثير المطالب لصالح العمال، وكان يسرف في ذلك، لكن كان الوزير المسئول عن تنفيذ هذه المطالب تحكمه ميزانية وأرقام وحسابات.
ومرت الأيام وصار نقيب العمال هذا وزيرا للعمل، ووقف نقيب العمال الجديد يقول له: لا أطلب منك إلا ما كنت تطلبه أنت من سابقك، فقال: لكن تحكمني ميزانيات وحسابات، فأراد أن يثير عاطفته نحو العمال، أو أراد أن يحرجه فقال له: لا تنس أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فأخذها الوزير بصدر رحب وروح رياضية ورد عليه: نعم نعم لكنني كنت أجيدها. إذن: العظمة ليست في العمل إنما في إجادته. لذلك نقول: لو علم العامل المخلص في عمله والمتقن له عن غيب من صاحب العمل يعني يتقنه ويجيده لله، لو علم هذا العامل ما أداه لمواجيد الإيمان بالله لافتخر بهذا العمل على العلماء. قالوا: كيف ذلك؟ وماذا يؤدي العامل لمواجيد الإيمان؟ نقول: لأن كل من يرى عمله المتقن يقول: الله، فكأن العمل المتقن يشيع كلمة الجمال في الكون، ويؤدي إلى ذكر الله، وفي هذا من الثواب ما لا يخفى على أحد. وقوله تعالى: ﴿ ذو العرش ﴾ [غافر: 15] يعني: الذي يملك كونا استقر له بدون شغب عليه، وهو المستقر في كمال قدرته وألوهيته، والملك لا يتاح له الجلوس والاستواء على عرشه إلا بعد أن يستتب له الأمر مع الفارق بين جلوسه سبحانه واستوائه على عرشه وبين جلوس ملوك الدنيا على عروشهم، فنحن نؤمن بهذا الجلوس دون تكييف أو تشبيه، وما دام وجوده تعالى ليس كوجودنا فكذلك جلوسه ليس كجلوسنا، وقلنا: إننا نأخذ هذه المسائل في إطار
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11]. والحق سبحانه وتعالى استتب له الأمر في الكون دون منازع، بدليل قوله سبحانه:
ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]. ولأنه سبحانه رفيع الدرجات، وهو سبحانه ذو العرش أراد سبحانه أن يضفي من رفعته على المؤمنين به، وأن يرفعهم على غيرهم، وألا يتركهم هملا وهمجا بدون منهج، لذلك أنزل عليهم روحا منه سبحانه: ﴿ يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده ﴾ [غافر: 15]. فما كان سبحانه ليستعبد الخلق ثم يتركهم، إنما أنزل لهم المنهج الذي يحكم حركتهم في الحياة بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا هو قانون الصيانة الذي يضمن للبشر الصلاح والرفعة وعلو المنزلة، وجعل هذا المنهج اختيارا، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، من شاء أطاع ومن شاء عصى، ليرى المؤمن أثر رفعة الله له في الآخرة حين يدخله الجنة دار النعيم الباقي، حيث لا فوت للنعمة، ولا موت للوجود. وهذا المنهج جاءنا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظم حركة حياتنا حتى تتكامل الحركات ولا تتصادم، فحين ترى شرع الله يقيد حركتك في شيء، فاعلم أنه قيد حركات الملايين من أجلك، فحين ينهاك عن السرقة مثلا يقيد حركتك وأنت فرد ويمنع يدك أن تمتد لما لا تملك، وفي المقابل قيد ملايين الأيدي حتى لا تمتد إلى مالك أنت، حين أمرك بغض البصر وحفظ المحارم أمر الخلق جميعهم أن يغضوا أبصارهم عن محارمك.