[فصلت: 9-12]. إذن: فاستواؤه سبحانه على العرش جاء بعد أن انتهى من الخلق وتم له كل شيء من أمور الملك والسيطرة الكاملة. فقوله سبحانه: ﴿ الذين يحملون العرش.. ﴾ [غافر: 7] هم الملائكة الثمانية حملة العرش. ﴿ ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا.. ﴾ [غافر: 7] وهؤلاء نوع آخر من الملائكة، وهم الكروبيون الذين لا عمل لهم إلا تسبيح الله، وليس في بالهم هذا الكون كله، ولا يدرون عنه شيئا، فقط ﴿ يسبحون بحمد ربهم.. ﴾ [غافر: 7]. لكن هؤلاء الكروبيين الذين يحيطون بالعرش ويسبحون الله ولا عمل لهم غير ذلك، هل يرون الله سبحانه وهو على العرش؟ قال علماؤنا رحمهم الله: أنهم رغم منزلتهم هذه إلا أنهم لا يرون الله تعالى، وأظهر هذه الأقوال قول الفخر الرازي رحمه الله، فلما تكلم في هذه الآية { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به.
. } [غافر: 7] استأنس برأي صاحب الكشاف الذي سبقه وقال: إن معنى ﴿ ويؤمنون به.. ﴾ [غافر: 7] أنهم لا يرونه سبحانه لأن المشهديات ليس فيها إيمان، الإيمان للغيبيات، فلو أنهم شهدوا الله وهو على العرش ما قال في حقهم ﴿ ويؤمنون به.. ﴾ [غافر: 7] ثم قال الفخر الرازي: ولو لم يكن للإمام صاحب الكشاف إلا هذه لكفته طيلة حياته، هذا مع ما بين الإمامين من خلاف في الرأي. إذن: لا نفهم من مكانة هؤلاء الملائكة وقربهم من ذي الجلال سبحانه أنهم يرونه، لا بل هو سبحانه بالنسبة لهم غيب لا يرونه، يؤكد هذا قوله سبحانه ﴿ ويؤمنون به.. ﴾ [غافر: 7] فأنت الآن في هذا المجلس لا تقول مثلا: آمنت بأن الشيخ الشعراوي جالس وحوله محبوه ويتكلم في كذا وكذا، لأن ما نحن فيه الآن مشهد لا دخل للإيمان فيه، الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي وهذه ميزة الإيمان، لذلك كثيرا ما يتكرر قوله تعالى:
الذين يؤمنون بالغيب..
[البقرة: 3]. وسبق أن ضربنا مثلا قلنا: هب أنني أخاف من اللصوص فأخذت مالي الذي أخاف عليه وذهبت إلى مكان بعيد في الحديقة مثلا ووضعت المال وفوقه حجر ثقيل، ولما احتجت لهذا المال ناديت العامل: يا فلان ارفع هذا الحجر، فقال: لا أستطيع وحدي فهو ثقيل، فقلت له: تدري ماذا تحت هذا الحجر؟ تحته المال الذي سأعطيك منه راتبك، عندها يتقدم إلى الحجر ويرفعه، إذن: المهم ليس إطاعة الأمر الذي علم منفعته، إنما إطاعة الأمر وهو غيب عنك. ومعنى ﴿ يسبحون بحمد ربهم.. ﴾ [غافر: 7] أي: تسبيحا مقرونا بالحمد، لأن التسبيح ثناء على الله، أما الحمد فشكر لله على نعمه التي سبقت، ومن أجل النعم أنه سبحانه لا يشبهه شيء ولو وجد له شبيه لحدث تعارض في الكون:
إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..
[المؤمنون: 91] فهو وحده المعبود، وهو وحده المستحق للحمد. ثم بعد ذلك ﴿ ويستغفرون للذين آمنوا.. ﴾ [غافر: 7] أي: أن هؤلاء الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن يقولون: ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ﴾ [غافر: 7]. هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة ب ربنا محذوف الياء التي للنداء فلم يقل: يا ربنا لأن النداء بالياء يدل على بعد المنادى، أما الأبعد فينادى بأيا، والقريب ينادى بالهمزة مثل: أمحمد. أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم في ندائه أي حرف من حروف النداء، لأنه أقرب لعبده من حبل الوريد، لذلك نناديه سبحانه مباشرة ربنا، ولك أن تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه سبحانه حرفا من أحرف النداء. حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء..
[الأنفال: 32] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عوض عن ياء النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم. ثم يتابع الحق سبحانه ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول: ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم... ﴾.