تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واقرأ إن شئت قوله تعالى:

ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 6-14]. يعني: القضية لم تنته عند عاد وثمود وقوم فرعون، بل هي عامة في كل مكذب

إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 14]. والأحزاب: هم الذين يتحزبون ويجتمعون على مبدأ واحد، والمراد هنا الذين يتحزبون ضد الدعوة وضد الهداية ويسمونهم لذلك حزب الشيطان ويقابله حزب الله، وهم الذين يؤيدون الرسل وينصرون دعوة الحق. ﴿ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.. ﴾ [غافر: 5] أي: ليقتلوه، وهذه المسألة جاءت مفصلة في قوله تعالى:

وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك..

[الأنفال: 30] أي: يحبسوك أو يقيدوك فلا تتحرك هنا وهناك

أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

[الأنفال: 30]. والكلام هنا أنهم هموا بذلك لكن لم يفعلوه ولم يقدروا عليه، فكلمة هموا تعني توجه وهم مراد لم يحدث على الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى في الطائفتين في غزوة أحد:

إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا..

[آل عمران: 122] لكن لم يحدث الفشل، فالهم شغل القلب بفعل الشيء، لكن لا يحدث الفعل. لذلك قال سبحانه:

وهموا بما لم ينالوا..

[التوبة: 74]. إلا الهم الذي كان من سيدنا يوسف عليه السلام، لأن المسألة هنا تتعلق بعصمة نبي كما قال تعالى:

ولقد همت به وهم بها..

[يوسف: 24] البعض يحمل هذه الآية معاني لا تليق بعصمة نبي الله يوسف، يقول: كيف يهم بها وهو نبي؟ قلنا: الهم تعلق الخاطر بالفعل أو تعلق استجابة الجارحة للفعل، لكن ينفعل أو لا ينفعل هذا هو المهم، والآية فيها همان

ولقد همت به..

[يوسف: 24] ثم سكوت، ثم

وهم بها..

[يوسف: 24] لاحظ أن همها هي لم تنل منه شيئا لذلك قالت:

ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين

[يوسف: 32]. هذا دليل على أن همها هي لم يأت بنتيجة، فكيف لا يأتي الهم معها بشيء مع عصيانها، ثم يأتي الهم بشيء مع يوسف؟ إذن: همت به ولم يحدث شيء وهي المريدة، كذلك وهم بها ولم يحدث شيء لأنه لا يريد. وتأمل هنا دقة الأداء القرآني في استخدام نون التوكيد الثقيلة في

ليسجنن..

[يوسف: 32] ونون التوكيد الخفيفة في

وليكونا من الصاغرين

[يوسف: 32] لأن السجن أمر في يدها وبأمرها يسجن يوسف، فاستخدم نون التوكيد الثقيلة الدالة على التمكن من الفعل، أما أن يكون من الصاغرين فهذا أمر ليس بيدها فلربما سجنته وعطف عليه الحراس وأكرموه، فاستخدم هنا نون التوكيد الخفيفة لهدم تمكنها من هذا الفعل.

والجواب الذي نحسم به مسألة الهم في هذه القصة ونوضح به براءة سيدنا يوسف مما يقوله عنه المفترون نقول: ولقد همت به، نعم أأدت هذا الهم أم لم تؤده؟ لم تؤده بدليل قولها

ولئن لم يفعل مآ آمره..

[يوسف: 32]

وهم بها..

[يوسف: 24] نعم هم ولم يفعل بنفس الدليل السابق، فلماذا تحرصون على إلصاق التهمة بنبي الله وهمه كهمها لم يأت بشيء. ثم إن الهم منه هنا أمر طبيعي لأنه استعداد الطبيعة للوقوع في هذا الفعل، يعني: هو أمر ممكن بالنسبة له عليه السلام، فطبيعته صالحة لأن يفعل وإلا لقلنا إنه حصور ليس له في هذا الأمر، لا بل هو صالح له قادر عليه، فما الذي منعه إذن؟ نقول: منعه

لولا أن رأى برهان ربه..

[يوسف: 24]. أي: في أن هذا حرام. كما تقول: أزورك لولا أن فلانا عندك، فالمعنى أنني لم أزرك، إذن:

وهم بها لولا أن رأى برهان ربه..

[يوسف: 24] يعني: هم ولم يفعل فالحكم هنا براءة ليوسف عليه السلام حتى من الهم. نعود إلى قوله تعالى: ﴿ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.. ﴾ [غافر: 5] حدث ذلك لكنهم لم يفعلوا ولم يأخذوه ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.. ﴾ [غافر: 5] أي: يزيلوا ويهزموا الحق بالباطل، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿ فأخذتهم.. ﴾ [غافر: 5] أي: أهلكتهم بالفعل لا بالهم كما فعلوا هم، وهذا ما يليق بالقدرة العليا ﴿ فكيف كان عقاب ﴾ [غافر: 5] يعني: هل عرفنا؟ هل قدرنا على عقابهم؟ وهذه مثل قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٤٥