تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار

[إبراهيم: 28]. كيف ذلك؟ اقرأ:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 1-5]. تعرفون قصة أبرهة لما جاء ليهدم الكعبة ليصرف الناس عن بيت الله ويبني كعبة أخرى في صنعاء يحج الناس إليها، وتعرفون ما كان من أمر هذا الجيش، وكيف رده الله بقدرته حتى قيل إن الفيل الضخم الذي كان يتقدم الجيش توقف عن السير نحو الكعبة، في حين يسير في أي اتجاه آخر وأن أحدهم اقترب من الفيل وقال له: ابرك محمود وارجع راشدا فإنك ببلد الله الحرام. فانصرفوا بعد أن أمطرهم الله بحجارة من سجيل، وهزمهم بقدرته تعالى. المهم ماذا قال سبحانه بعد هذه السورة مباشرة؟ قال:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف

[قريش: 1-2] فكأن في بقاء الكعبة بقاء لسيادة قريش، وبقاء لأمنها وسلامتها بين القبائل العربية، فأبقى الله لهم بذلك أن يألفوا رحلة الشتاء والصيف. إذن: العلة من

فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 5] جاءت في

لإيلاف قريش

[قريش: 1]. وإلا لكان لك أن تتعجب من أول السورة:

لإيلاف قريش

[قريش: 1] وتسأل عن العلة، فإن فصلت العلة هنا عن المعلول، فجاء كل في سورة إلا أنهما في نسق واحد، وسبق أن أوضحنا أن سور القرآن كله قائمة على الوصل فتقرأ:

فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 5] بسم الله الرحمن الرحيم

لإيلاف قريش

[قريش: 1]. فإن قلت: لماذا لم تأت في سورة واحدة؟ لماذا جاءت العلة في سورة والمعلول في سورة أخرى؟ قالوا: الفصل بين الشيء وسببه ليكون الشيء له حكم، والسبب له حكم. إذن: جعلهم كعصف مأكول لئلا تزول الكعبة ولو زالت الكعبة لزالت سيادة قريش ومهابتها، فأبقى الله لهم السيادة والمهابة ليتنقلوا بين الشمال والجنوب لا يجرؤ أحد على التعرض لهم، وسوف يترتب على ذلك قوام حياتهم فيطعمهم من جوع، ويؤمنهم من خوف، يطعمهم بالتجارة وحركة البيع والشراء، ويؤمنهم بألا يتعرض لهم أحد بسوء. ثم يوضح علة ذلك فيقول:

فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 3-4] فهم يتقلبون في نعمة الله، وكان عليهم ألا يكفروها. فقوله تعالى: ﴿ فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ [غافر: 4] لأن الله تعالى لم يهملهم إنما فقط يمهلهم.

فإن قلت: فما حكمة الإمهال؟ يعني: ما دام أن الله تعالى لم يهملهم، فلماذا لم يأخذهم من البداية؟ قالوا: لأن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وجعل دينه خاتم الأديان ومهيمنا على الزمان والمكان، فلا نبي بعده وللرسول مدة ينتهي فيها دوره في الحياة، وينتقل إلى الرفيق الأعلى، ثم يحمل رسالته من بعده جنود الحق الذين محصتهم الشدائد. لذلك قلنا: إن صناديد الكفر الذين عذبوا المسلمين الأوائل واضطهدوهم كانوا فيما بعد من جنود الإسلام، لماذا؟ لأن هذا الاضطهاد وهذا التعذيب هو الذي محص المسلمين وأبعد ضعاف الهمة وضعاف الإيمان الذين فتنهم التعذيب، وأرهبهم الاضطهاد حتى لم يبق في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الجديرون بحمل هذه الرسالة وتحمل تبعاتها، لأنها رسالة خالدة باقية في الزمان والمكان كله. فالحق سبحانه ما أهمل الكفار إنما أمهلهم لمهمة، هي أنهم سيساهمون في تربية هذا الجيل الذي سيحمل دعوة الله:

الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله..

[الأحزاب: 39]. هؤلاء هم الجيل المحمدي الذي حمل راية الإسلام، وساح بها في كل الأنحاء لا ينتظر على ذلك أجرا مقدما إنما ينتظر الأجر من الله في الآخرة. وهذا هو الفرق بين دعوة الحق ودعوة الباطل، فأهل الحق لا ينتظرون أجرا مقدما، أما أهل الباطل فيأخذون أجرهم قبل البدء في العمل، لذلك كل رسل الله قالوا هذه الكلمة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٤٣