فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم..
[يوسف: 31-32]. هكذا كلام نثر كله لا تشعر فيه بشيء من الشعر، ومع ذلك لو أخذت مثلا:
فذلكن الذي لمتنني فيه
[يوسف: 32] لوجدتها على وزن من أوزان الشعر، كذلك في قوله تعالى:
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم
[الحجر: 49] لو حولتها إلى تفعيلات تعطيك بحرا من بحور الشعر، لكن لا تشعر أبدا أنك انتقلت من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر، ذلك لأن القرآن كما قلنا نسيج وحده.
لذلك قلنا: إن كماله لا يتعدى إلى غيره، فالفقيه الحافظ للقرآن تجده يجيد القراءات السبع، ومع ذلك لا يجيد كتابة خطاب، ونحن ننصح الطلاب بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي أو العقاد مثلا ليستقيم أسلوبهم ويتمكنوا من الكتابة والتعبير السليم ذلك لأن القرآن لا يتعدى إلى غيره، أما كتب الأدب فتتعدى إلى الأسلوب وتحسنه، القرآن يظل كماله في ذاته. وكان من جدالهم في آيات الله أن قالوا عن رسول الله:
إنما يعلمه بشر..
[النحل: 103] وحددوا شخصا بعينه، لكن رد عليهم القرآن بما يعني: إن كنت كذوبا فكن ذكورا
لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
[النحل: 103]. ثم قالوا: مجنون، وعجيب منهم أن يتهموا رسول الله بالجنون وهم يعلمون أدبه وخلقه قبل بعثته، وصاحب الخلق الكريم لا يكون أبدا مجنونا، لكن هذه كلها شبهات المفلسين الذين لا يجدون حجة تقدح في رسالة محمد، فماذا يقولون غير هذا التخبط الأعمى؟ هذا جدل في شخص رسول الله، وكانوا يقولون: ابن أبي كبشة، لكن هيهات أن تنال هذه الافتراءات من شخص رسول الله. ثم يجادلون في أحكام الله، فيقول مثلا: لم يحرم الله الميتة؟ وكيف أن التي ماتت وحدها يعني أماتها الله محرمة، والتي تميتها أنت - أي: بالذبح - محللة؟ يعني في نظرهم أن الموت واحد، فلماذا تحرم هذه وتحل هذه؟ وهم يعترضون على آيات الأحكام لأنها تأتي عامة لا تفرق بين السادة والعبيد، فالحكم واحد للجميع وهم قد ألفوا السيادة. وقوله: ﴿ إلا الذين كفروا.. ﴾ [غافر: 4] أي: ستروا واجب الوجود الأعلى الذي خلقهم وخلق الكون كله من حولهم، بدليل إقرارهم هم بذلك في الآيات الكونية:
ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله..
[لقمان: 25] فهم وإن كانوا يؤمنون بهذه الآيات الكونية إلا أنهم كفروا بخالقها سبحانه، وستروا الواجب الأعلى الذي ينظم حركة الحياة لخلقه جميعا بحيث تتساند حركة الحياة ولا تتعاند لتظل عمارة الكون التي أرادها الخالق سبحانه. وسبق أن أوضحنا أن كلمة كفروا في ذاتها دليل الإيمان، لأن الكفر يعني الستر والستر يقتضي مستورا، فالمستور إذن وجد أولا قبل الساتر، وما دام ستروا بالكفر وجود الله، فالأصل أنه موجود. وقوله: ﴿ فلا يغررك تقلبهم في البلاد ﴾ [غافر: 4] أي: لا يخدعنك أن لهم في البلاد سيادة وتمكينا وعلوا ومهابة، بحيث لا يستطيع أحد أن يتعرض لهم في تقلبهم من مكان لمكان، وفي أسفارهم في رحلة الشتاء والصيف. ولو أنهم عرفوا حقيقة هذه المكانة، ومن الذي بوأهم هذه المنزلة ما وقفوا منك يا محمد هذا الموقف، لقد أخذوا هذه المهابة ونالوا هذه المنزلة لجوارهم لبيت الله، والله هو الذي أرسلك إليهم، فكان عليهم أن يؤمنوا بك وأن يصدقوك.
وكلمة تقلبهم تدل على حركتهم وانتقالهم من مكان لآخر، وتدل على قوة الأبدان لذلك كانت كل قبائل العرب تهابهم، جاءت هذه المنزلة لقريش من موسم الحج، حيث تأتي إليهم كل القبائل من جزيرة العرب فتكون في حماية قريش في الموسم، ومن هنا آمنوا في تنقلاتهم وكان عليهم أن يراعوا هذه النعمة، لكنهم جحدوا بها فصدق: عليهم قوله تعالى: