[الأنفال: 32]. وكان المفترض بالعقل أن يقولوا: فاهدنا إليه، فهذا دليل على شكهم في القرآن وعدم تصديقهم لما جاء به لذلك حكى القرآن عنهم قولهم:
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه
[فصلت: 26]. وتأمل هنا النهي عن مجرد السماع للقرآن، لماذا؟ لأنهم عرب ولهم فطرة لغوية وخبرة بالأداء والبيان، فلو استمعوا للقرآن لابد أن يتأثروا به، وكل من استمع القرآن بقلب خال من ضده لابد أن يقتنع به، وإلا فلماذا كان نهيهم عن مجرد السماع؟ لذلك لا يكتفون بالنهي عن السماع بل يشوشون عليه حتى لا يتمكن السامع من السماع
والغوا فيه
[فصلت: 26] هذا دليل على القرآن لو ترك ليصل إلى الآذان لابد أن ينفذ إلى القلوب فيعمرها ويلفتها إلى الحق إن كان الذهن خاليا من الباطل، فإن كان القلب مشغولا بعقيدة مخالفة لا يتأثر، بدليل قوله تعالى:
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا
[محمد: 16]. وقال فيمن يؤثر فيه سماع القرآن:
وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون
[التوبة: 124]. فإن قلت: كيف يكون للشيء الواحد أثران متضادان؟ نقول: لأن القابل للفعل مختلف، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بالنفخ في الأيدي للتدفئة في البرد، والنفخ في كوب الشاي الساخن ليبرد، فالنفس واحد لكن القابل للنفس مختلف، ولا شك أن حرارة النفس أقل من حرارة كوب الشاي، لكنها أشد من الحرارة في الأيدي وقت الشتاء كذلك يختلف أثر القرآن بالنسبة للسامع. لذلك ينبغي عند سماع القرآن ألا توجد حجب تحجبه عن القلب، والحق سبحانه وتعالى يمنع لغط الجماهير في الجدل البياني، ففي الضوضاء تختلط الأصوات وتتداخل، وتستر عيوب الشخص في الآخرين، وهذا يحدث مثلا في المظاهرات فلا نستطيع أن نسند الصوت إلى صاحبه، وهذه المسألة توضح لنا الحكمة من قوله تعالى:
إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون
[الأنبياء: 110]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: ما الميزة في علم الجهر والجميع يعلمه، فلماذا يمتن الله بعلمه؟ نقول: قوله تعالى:
ويعلم ما تكتمون
[الأنبياء: 110] دل على أن الجهر أيضا من الجماعة بمعنى: ويعلم ما تجهرون، فالحق سبحانه هو الذي يعلم كل صوت ويعلم صاحبه، ويميز الأصوات ويردها إلى أصحابها، وهذه العملية في ذاتها أصعب من علم الكتمان. ومن جدالهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ساحر وكاهن، وقولهم عنه شاعر.. إلخ وهذه أقوال باطلة مردودة على أصحابها والرد عليها يسير، فلو كان محمد ساحرا سحر من آمن به، فلماذا لم يسحركم أيضا كما سحرهم؟ إذن: بقاؤكم على حالتكم هذه دليل على كذبكم في هذا الاتهام، أما كاهن فما جربتم عليه قبل ذلك شيئا من الكهانة، ولا سمعتم منه كلاما كالذي يقوله الكهان. والأعجب من ذلك أن يتهموا رسول الله بأنه شاعر، وأن ما يقوله شعر، وهم أمة الشعر وفرسان هذا الميدان، وهم أدرى الناس به، ومن كان عنده أدنى دراية باللغة يستطيع أن يفرق بين الشعر والنثر وأن يتذوق كلا منهما ويشعر به إذا انتقل مثلا من الشعر إلى النثر، أو من النثر إلى الشعر. فحين تقرأ مثلا: هذا العتب محمود عواقبه، وهذه الجفوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه أو أخطأ غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها، ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا
فأفعاله اللائي سررن ألوف
لابد إذن أن تفرق ههنا بين الشعر والنثر، فكيف بهم وهم أمة البلاغة والفصاحة، الأمة التي جعلت للحكمة أسواقا ومعارض، ومع ذلك لا يفرقون بين الشعر والقرآن. القرآن ليس شعرا، بل هو نسيج فريد وحده، واقرأ مثلا: