تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى

[النجم: 13-15]. وهكذا فالإسراء آية أرضية، والمعراج آية سماوية. والآية الأرضية يمكن أن يقيم رسول الله الدليل عليها، وقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ووصفه لهم بقوله سبحانه:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله

[الإسراء: 1]. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أوصاف القوافل التي رآها في طريق العودة، إذن كان الإسراء آية أرضية، أما الآية السماوية وهي المعراج فجاءت التزاما وكذلك أمر رفع عيسى عليه السلام، فمن يرى أن ذلك جاء من طلاقة قدرة الله فهو يصدق ذلك. ومن يقف عقله نقول له: إن وقوف عقلك لا يخرجك عن الإيمان واليقين. وعندما نتأمل بالدقة اللغوية كلمة " توفيتني " نجد " توفاه " قد تعني أماته، فالحق سبحانه يقول:

قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم

[السجدة: 11]. والحق سبحانه وتعالى يقول أيضا:

الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى

[الزمر: 42]. إنه سبحانه يسمي النوم وفاة، وسماه - أيضا - موتا.

وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض. ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة، والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة، إذن فمن الممكن أن تكون الوفاة بمعنى النوم. ويقال أيضا عن الدين توفيت ديني عند فلان أي أخذت ديني كاملا غير منقوص. وكذلك أمر قتل المسيح قال فيه الحق جل وعلا القول الفصل:

وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم

[النساء: 157]. ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضا، فالحق يقول:

أفإن مات أو قتل

[آل عمران: 144]. فالموت خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة، أما القتل فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح.وقد قال الحق على لسان المسيح: ﴿ فلما توفيتني ﴾ أي أخذتني كاملا غير منقوص. وهذه مسألة لا تنقض الرفع. ونعلم أن كل ذلك سيكون مجالا للحوار بين عيسى ابن مريم والحق سبحانه يوم المشهد الأعظم جاء به القرآن لنا ليخبرنا بالذي يثبت صدق الإيمان. إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه: إنه مجرد شهيد على قومه في زمن وجوده بينهم، ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على القوم تكون لله، فالحق سبحانه شهيد دائما ورقيب دائما، ولكن عيسى ببشريته يقدر أن يشهد فقط، والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع. ويخبرنا الحق من بعد ذلك بما جاء على لسان عيسى ابن مريم في قوله الكريم: ﴿ إن تعذبهم فإنهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٥٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٥٠٠