هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي
[طه: 18]. وعرف موسى من بعد مقام الأنس والانجذاب مقام الخشية فأوجز قائلا:
ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 18]. لقد عرف موسى عليه السلام أنه يخاطب مولاه فأطال الأنس به وعرف أيضا مراعاة المقامات وانتقل من الانجذاب والأنس إلى مقام الرهبة فقال: ولي فيها مآرب أخرى. وجاء الأمر بإلقاء العصا:
ألقها يموسى
[طه: 19]. وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام فلم تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية:
فألقاها فإذا هي حية تسعى
[طه: 20]. ولذلك كان لا بد أن تدهش المسألة موسى عليه السلام، لذلك أوجس خيفة. ولكن موسى عندما عرف سر عصاه لم يوجس خيفة بل تحدى السحرة الذين جاء بهم فرعون في يوم الزينة، وعرف موسى أنه ليس بساحر مثلهم ولكن الله أتاه معجزة ستبهر حتى السحرة، فالسحرة يعلمون أن عملهم تخييل وليس تغييرا للأشياء، أما الحق فهو يغير الأشياء نفسها.
لقد جاء السحرة بناء على امر فرعون إلى يوم الزينة، ويعلمنا القرآن بلمحات جانبية أن نظام السحرة كان موجودا، ولذلك طالب السحرة بأجرهم إن هم غلبوا موسى:
قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين
[الأعراف: 113]. وعلى الرغم من اختلاف مواهب هؤلاء السحرة ورقي كل منهم في فرع من فروع السحر، إلا أنهم جميعا سجدوا للحقيقة عندما ألقى موسى عصاه وقالوا:
قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون
[الشعراء: 47-48]. وهكذا عرفوا أن ما فعله موسى ليس قدرة بشرية ولكنه قدرة فوق قدرة البشر. إنها المعجزة التي يجريها الله على يد الرسل لإثبات صدقهم في إدعائهم أنهم رسل من الله. وكذلك نبغ قوم عيسى عليه السلام في الطب. ولم يجرؤ أحدهم على أن يشفي بكلمة واحدة الأكمه والأبرص أو أن يخرج الميت من موته إلى الحياة. وعلى الرغم من تقدمهم في الطب لم يستطع أحدهم أن يفعل ذلك. والحق سبحانه يسهل المعجزات على رسله، والمثال في الإسلام هو الإسراء برسولنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، وحدث الإسراء في لمح البصر، ونحن في زماننا نرى التقدم الآلي والفني قد اخترع الصواريخ التي يمكن أن تختصر الوقت لمثل الرحلة من مكة إلى القدس ولكنها تمت بوساطة آلة تعمل وبأجهزة أعدت بنظام دقيق بعد تجارب مضنية، ولكن الحق عندما أراد لم يكن الأمر سوى كلمة منه تصير معجزة في التو واللحظة. ولنحفظ ذلك جيدا. إن المعجزة خرق اقتدار لا سبق ابتكار أي أنها خرق لنواميس الكون حادث من اقتدار المقتدر - سبحانه - ولم يحدث ذلك من ابتكار واختراع واكتشاف مكتشف. ويسلي سبحانه عيسى عليه السلام بذكر هذه البينات، لكن الكافرين من قوم عيسى عليه السلام قالوا إنها سحر: ﴿ فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ﴾. ونعلم أن الحق خلق الخلق وجعل الإيمان أمرا فطريا فيهم، ثم تأتي الغفلة فتبهت جزئية من جزئيات الإيمان، وتتلوها غفلة أخرى فتبهت جزئية أخرى، وتأتي غفلة ثالثة فتصير إلى الران وهو ما يعطي القلب فلا تنفذ إليه الهداية، وذلك بسبب ما كسبوا وفعلوا من الذنوب:
كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
[المطففين: 14]. ولنستمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه حذيفة:
" حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت أي الأثر اليسير من الشيء ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل أي أثر العمل في الكف كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا أي متورما وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلما ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا ".