تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن دخله كان آمنا

[آل عمران: 97]. فالحيوان يأمن وكذلك النبات، هذا ما أمر به الحق في دائرة الحرم لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم. ومن بعد ذلك يدخل إلى المسجد ويطوف حول الكعبة. ونجد الإنسان - سيد الوجود - يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفا مختلفا، فالحيوان يأخذ كرامته وكذلك النبات، وكذلك الجماد يأخذ أيضا كرامته، فمن عند الحجر الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط. في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ويتساوى مع كل الناس، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى وهو الحيوان فحرم عليه صيده - ونعلم أن الحيوان يغذي الإنسان - وينفض أيضا طغيانه مع النبات - والنبات يغذي الإنسان - فحرم قطعه. وينفض الحق كبرياء الإنسان أمام الجماد - وهو أحط الأجناس - فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر الأسود أو أن يقبله، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر، ومن لم يستطع استلام الحجر أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل وذلك زيادة منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها. كل ذلك حتى يحقق الله سبحانه وتعالى استطراق العبودية، ودائما نجد من يتساءل: وكيف نقبل الحجر على الرغم من أن الله قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام؟ ونقول؟ إن الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال، ولكن رب الإنسان والحيوان والنبات والحجر هو الذي أمرنا بذلك، بدليل أننا نرجم حجرا آخر هو رمز إبليس، والعبد في أثناء أداء المشاعر - إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه، فيقبل ويعظم حجرا ويرجم حجرا آخر، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس فاستطرقوا، وصفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد.

ويلفتنا سيدنا عمر رضي الله عنه فيقول للحجر الأسود: " أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". كأن سيدنا عمر رضي الله عنه يعلمنا حتى لا يقول أحد: إنها وثنية، فالوثنية أن تعبد حجرا بمرادك، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد الله. ﴿ يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ [المائدة: 94]. ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح؟. ما تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة، أما ما تناله الرماح فهو ما تصطاده بجهد وبالرمح وحسن تصويبه. وقال الحق: " ولنبلوكم " لأن هناك فارقا بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها، وبين أن يصل إلى منزلة لا يلح فيها على معصية، بل قد تقع عليه المعصية، وإن وقعت عليه المعصية فهو لا يرتكبها. كأن الحق يبتلينا ما دمنا لا نلح على المعصية، ويريد أن يرى ماذا يكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو لا؟. فإن كان الإيمان قويا فلا أحد يقرب المعصية. ولذلك يبتليكم الله بشيء من الصيد المحرم عليكم بان يجعله في متناول أيديكم. حدث ذلك في الحديبية لقد كاد الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا اختبارا. ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته، إنما المذموم فيه الغاية منه لأن الابتلاء اختبار، وقد ينجح إنسان، وقد يفشل إنسان آخر. وكأن الحق قد ابتلى المؤمنين بان جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوي عود الإيمان في قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك. ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ وسبحانه وتعالى العالم بكل شيء قبل أن يحدث. لكن هناك فرق بين علم وعلم، وإن علم الله أزلي لا يتخلف، ولكن هذا العلم ليس حجة على الناس لأن الحجة على الناس هو ما يقع منهم فعلا، ولذلك كان الابتلاء. وأسوق هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول: أنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ألا ندخله الامتحان لأنه سوف يرسب. ولا يدخل الابن الامتحان، ولكن الوقاحة قد تصل به إلى الحد الذي يقول فيه: لو كنت دخلت الامتحان لكنت من الناجحين. ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب، لكان هذا الرسوب حجة عليه. إذن فعلم الحق لا يلزمنا الحجة، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٦٤