ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 3]. ويتابع الوحي:
ألم يجدك يتيما فآوى
[الضحى: 6]. وعندما يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة يجيب: نعم يا رب أنت وجدتني يتيما فآويتني. وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة الأمر. وهذه أبلغ أنواع الأمر. وعندما يقول الحق: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ يعلم المخاطبون ماذا يريده الله، فيقولون: نعم انتهينا يا ربنا. وبالغوا كثيرا في هذا الانتهاء، فالإمام علي - كرم الله وجهه - يقول: لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته. ولم يكن هذا أمرا مفروضا، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة. وها هوذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي. وهكذا كان رد فعل قول الحق: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾. وبذلك تم حسم مسألة الخمر. ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجا، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى على لسان رسول، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع، وفي ذوات البشر في آن واحد. فلا نجد من يلوم نفسه، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده هنا تتدخل السماء بإرسال رسول، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر، ولكنها تدعو خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم. فالأيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها. لكن في الأمور التي تتعلق بالأحكام، فالأحكام تغير أوضاعا عرفية وأوضاعا اجتماعية متداولة بين الناس. فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي بهذه المسألة تدريجا لأنه سبحانه وتعالى يتلطف مع خلقه برحمته. ومثال ذلك: كان الرجل يملك المال فلا يعطي أباه ولا أمه، إنما يعطي المال لأولاده لأنه يعرف أن والده منته وسيموت قريبا، وأن الابن هو الذي يستقبل الحياة، ولذلك فالابن يأخذ كل المال. هنا قال الحق: لا، إنك أنت يا صاحب المال قد تموت قبل أبيك فاترك له شيئا.
إن ترك خيرا الوصية للوالدين
[البقرة: 180]. لقد أراد أن يخرجهم من عدم العطاء إلى الوصية التي تكون منهم. وبعد أن استقرت الأحكام، قرر الحق للوالدين نصيبا من الميراث. إذن جاء الأمر أولا بتلطف في الخروج عن حكم الإلف والعادة والعرف حتى لا يخرجهم إخراجا قسريا. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المال دولة بين الأغنياء فحسب أي يتداولوه دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال دولة بين الناس. لذلك جاء الميراث. إننا عندما نحسب ميراث ألف فدان مثلا نجده قد ذاب وتقلص وتناثر خلال ثلاثة أجيال إلى فدانين وخمسة أفدنة. وهذا تدرج أجيالي لا قسري. حتى يرتب الإنسان حياته وحياة أبنائه، فيترك المالك لأولاده ميراثا وخيرا ليديروا العمل فيه. أما الذي لا يملك فهو يعطي لأبنائه حرفة أو وظيفة. لذلك يذيب الدين المسألة المالية والعقارية أو الإقطاع كما يقولون، لا بالقسر حتى لا تحدث للمجتمع هزة حقد أو هزة توتر لأن الذي جمع ماله من عرقه ومن اجتهاده ساعة يرى المال قد خرج منه إلى من لم يعرق ومن لم يجد، فهو يحقد، والحق يقول:
وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم
[محمد: 36-37]. وساعة يحدث الضغن في المجتمع فإن كل استقرار وود ينتهي. وهذا هو منتهى التلطف في رعاية العادات. وكانت الخمر ومجالسها عادة موجودة عند العرب، وكان من الصعب أن يخرجهم منها مرة واحدة. لذلك جاء تحريمها بتدرج وبتلطف والذكي والفطن عندما يسمع الآية التالية يعرف أن الله قد بيت للخمر تبييتا محكما للقضاء عليها وذلك بتحريمها، يقول الله تعالى:
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا
[النحل: 67]. فسبحانه يقول: " ورزقا حسنا " ، ولم يصف السكر بأنه حسن. ومعنى هذا أن أخذ الرزق وتخميره واتخاذه سكرا هو إتلاف للحسن. وجاء الحق ب السكر أولا ليخبرنا أنهم كانوا يأخذون منه الرزق أولا النصيب الذي يجعلونه خمرا. ومن بعد ذلك يطرح الحق الأمر كعظة من الواعظ للموعوظ، والعظة ليست إلزاما، إنما هي إبداء رأي حكيم لغيره، وهذا أول التبيت للدخول إلى تحريمها، ثم يقول الحق: