تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء

[النمل: 62]. إذن فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان. والأزلام هي نوع من الميسر فقد كانوا يحضرون الناقة أو الجزور ويذبحونها ويقسمونها إلى ثمانية وعشرين قسما ويخصصون لإنسان نصيبا وللثاني نصيبين وللثالث ثلاثة أنصبة، وللرابع أربعة أنصبة وللخامس خمسة أنصبة، وللسادس ستة أنصبة، والسابع له سبعة أنصبة. وكانوا يأتون بالقداح السبعة. قدح اسمه " الفذ " ويأخذ الفائز به نصيبا، والقدح الثاني: " التوأم " ويأخذ نصيبين، والقدح الثالث اسمه " الرقيب " يأخذ ثلاثة. والقدح الرابع اسمه " المسبل " ويأخذ ستة. والسابع اسمه " المعلى " ويأخذ سبعة أنصبة. وهناك ثلاثة قداح هي المنيح والسفيح والوغد، وهؤلاء الثلاثة لا يأخذون شيئا بل يدفعون ثمن الذبيحة. وذلك رجس من عمل الشيطان. إن النفس العاقلة لا تقبل على مثل هذه الأعمال، بل لا بد أن يحرك أحد تلك الأطماع، ذلك أن المخالفات إنما تنشأ من أمرين إما أن تكون من النفس، وإما أن تكون من الشيطان. والمخالفة التي تكون من النفس هي التي تحقق شهوة من نوع خاص بحيث إذا زحزحت النفس عنها فهي تريدها. والمخالفة التي من نزغ الشيطان تختلف، فقد يوعز الشيطان لإنسان بالسرقة، فيرفض، فيعرف الشيطان أن لهذا الإنسان مناعة ضد هذه المعصية، فيوعز بمعصية أخرى، فإذا وجد مناعة انتقل إلى معصية ثالثة لأن وسوسة الشيطان تطلب الإنسان عاصيا على أي لون من الألوان.

فإذا وقفت عند معصية بذاتها فاعلم أن ذلك من عمل نفسك، وإن انتقلت بالوسوسة من معصية عزت على الشيطان إلى معصية أخرى فاعلم أنها من عمل الشيطان ولا دخل للنفس بها. والعاقل الذي يتمعن في كل تلك المسائل المحرمة يرى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام هي أمور لا تستطيبها النفس غير المنزوعة من الشيطان، فكأن قوله الحق: ﴿ رجس من عمل الشيطان ﴾ يدلنا على أن العاقل لا يمكن أن يصنع هذه الأشياء. ويذيل الحق الآية: ﴿ فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾. ويأمرنا سبحانه باجتناب الرجس الذي جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والاجتناب هو أن يعطي الإنسان الشيء المجتنب جانبه، أي المنع للذرائع والأسباب والسد لها لأنك إن لم تجتنبها فمن الجائز أن قربك منها يغريك بارتكابها. وبعض الناس يظنون أن الخمر لم يأت لها تحريم وإنما جاء الأمر فيها بالاجتناب. ونقول لهم: إن التحريم هو النص بعدم احتسائها، وأما الاجتناب فهو أقوى من التحريم لأنه أمر بعدم الوجود في مكانها. فإذا كان الحق قد قال في قمة العقائد:

فاجتنبوا الرجس من الأوثان

[الحج: 30]. فقد قال هنا اجتنبوا الرجس الذي يجمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. والحق سبحانه وتعالى واجه العادات التي شاعت قبل الإسلام ليخلع الفاسد منها ولم يجابهها دفعة واحدة وذلك لتعليق النفس بها والإلف لها، وإنما كان التحريم لها بالتدريج. لقد حزم الإسلام الأمر أولا في مسائل العقائد، أما الأمور التي تترتب على إلف العادة فكان تحريمها على مراحل. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى عن شيء إنه: " رجس " ، فذلك حكم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن نقبل هذا الحكم حتى ولو لم نفهم نحن معنى الرجس، أو لم نتأكد ماديا من أن الشيء المحرم هو من الرجس، ذلك أنه يكفي في ذلك حكم الله الذي يرضخ له العبد المؤمن الذي قبل التكليف من ربه لأن ربه مؤتمن على كل مصالحه. وما دام الحق قد قال عن شيء إنه رجس، فهو رجس ولا جدال في ذلك. أقول ذلك لأن بعضا يظل متصيدا لأي ثغرة مفتعلة متسائلا: كيف يكون ذلك العمل أو ذلك الشيء من الرجس؟ ونقول: إننا نرضخ لحكم الله تعالى وننفذ ما أمر به، فهو إله مأمون على كل الخلق، وتثبت لنا الأيام دائما صدق قول الحق في أن الأشياء التي قال عنها سبحانه إنها رجس، هي من الرجس فعلا، فحين يقول سبحانه لخلقه: افعلوا كذا، لا نسأله: وما علة ذلك التكليف، ولكننا ننفذ أمر الحق، ونكتشف في أعماقنا فائدة ذلك التكليف.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٥٣