[العصر: 1-3]. ولم يخصص الحق قوما ليكونوا الناهين، وقوما آخرين ليكونوا المنهيين، لا، بل كل واحد منا عرضة أن يكون ناهيا إن اتجهت خواطر صاحبه إلى الحرام، وعرضة أيضا لأن يكون منهيا إن كانت نفسه تتجه إلى الحرام، وبذلك نتبادل النهي والتناهي، ويسمون ذلك " المفاعلة " مثلما نقول: " شارك زيد عمرا " ، ولا يشارك الإنسان نفسه إنما يشارك غيره، ومعنى هذا أن هناك شخصا قد كان فاعلا مرة، ومرة أخرى يكون مفعولا، وكيف تكون صيغة التفاعل هذه؟. إنها مثل " تشارك " و " تضارب " أي أن يأتي الفعل من اثنين. ومن السهل إذن أن ينهي إنسان صديقا له أو ينهاه صديق له. وقد نفسرها على أن الجميع ينهى نفسه بفعل القوة الخفية الفطرية التي توجد في كل نفس، أي أن كل نفس تنهى نفسها. إذن فالتفاعل إما أن يكون في النفس وإما أن يكون في المجتمع. ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ ولننتبه هنا إلى أنهم قد فعلوا المنكر بالفعل، فكيف يكون التناهي عن المنكر؟. يمكن أن نفهم العبارة على أساس أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله، أي أن الإنسان منهم كان يرى زميلا له يتهيأ لارتكاب منكر فلا ينهاه. ومثلها في ذلك قوله الحق:
إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم
[المائدة: 6]. وهذا القول لا يعني أبدا أن يتوضأ الإنسان بعد أن يدخل في الصلاة. إنما يعني أن نبدأ الوضوء لحظة الاستعداد للصلاة، يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأداءها. وقوله الحق: ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ يجعلنا في حالة انتباه وفراسة إيمانية ويقظة.
ويلتفت كل منا إلى نفسه ويرقبها ويراقبها، وإلى أي اتجاه تسير، فلا يترك الإنسان نفسه تتجه إلى أي مكان موبوء أو فعل غير مستقيم. وكذلك ينتبه الإنسان إلى أصدقائه وأخلائه حتى نتناهى عن أي منكر فلا نقع أبدا في دائرة هذا الحكم ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ فكأننا جميعا علينا أن نحيا في يقظة إيمانية، وأن نقول: " لا " لكل بادرة ولأي حركة من حركات المنكر. ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ وساعة نسمع " لبئس " فلنعرف أن اللام إذا سبقت فهي للقسم، وحين يقسم الله فهذا تأكيد للقضية، فهل هذا تأكيد على طريقتنا نحن البشر؟ لا. فليس أحد منا كالله، ونحن في حياتنا نعرف الأدلة على الحق، إما إقرار، وإما شهادة، وإما قسم. والقاضي لا يحكم إلا بإقرار المتهم أو بشهادة الشهود، أو باليمين، وحين يأتي الحق بالحكم فهو يأتي به على معرفة الخلق. وعدم التناهي عن المنكر هو فعل وقول معا. وبما أن الحق لم يقل: لبئس ما كانوا يقولون، ذلك أن القول مقابل للفعل، وكلاهما أيضا عمل، فالقول عمل جارحة اللسان، والفعل هو عمل الجوارح كلها، ويجمع القول والفعل وصف " العمل ". ونلحظ أن المسألة لا تقتصر على القول، إنما هي عمل قد نتج عن فعل. ولنر الحديث النبوي القائل:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ".
وقوله الحق: ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ دليل على أنهم كانوا يفعلون المنكر والقبيح قولا وعملا. ويتابع الحق من بعد ذلك فيقول: ﴿ ترى كثيرا... ﴾.