تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فالذي يستوحي واقعا لا يتغير كلامه لأنه حق. والذي يستوحي غير الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط. لذلك لا يقولن إنسان غير الحق لأن قوله سيتضارب. وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في منهج السماء الذي يتبعونه. وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم وزر إضلال الناس لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي شيء من المخالفة. ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السلام:

ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا

[الممتحنة: 5]. لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء؟ لأنه إن قال شيئا ثم عمل بما يناقضه فقد يتصور من يراه أنه - والعياذ بالله - كذاب. ﴿ قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل ﴾ ويا ليتهم ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم. لذلك قال سبحانه:

ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم

[البقرة: 109]. وسبحانه يوضح لهم: لا تفعلوا ذلك حتى لا تضلوا لأن وزرك أن تعمل، وهناك وزر آخر هو أن تضلل غيرك. ولذلك يقول الحق:

ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم

[النحل: 25]. قال الحق ذلك مع أنه قال:

ولا تزر وازرة وزر أخرى

[الأنعام: 164]. وحتى نفهم الأمر علينا أن نعرف أن الوزر الأول هو وزر الضلال والثاني هو وزر الإضلال. ﴿ ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا ﴾ أي لا تقلدوا أناسا اتبعوا الهوى. والهوى هو لطف موقع الشيء وقربه إلى النفس فيصنعه الإنسان على طريقة لا تنبغي. ولذلك كل كلمة " هوى " في القرآن جاءت في مجال الخسران والضلال. وعندما نقرأ قوله الحق:

ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله

[ص: 26]. وهو القائل سبحانه:

واتبع هواه فتردى

[طه: 16]. وقد جاء الهوى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "

أي أن المطلوب أن يطوع الإنسان هواه لمطلوب الله. وما دام قد طوع هواه لمطلوب الله، فهذا يعني أن هواه الشخصي قد امتنع. ﴿ ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل ﴾. إن هذا هو النهي عن اتباع الهوى الذي يضل ويكون سببا في الإضلال عن سواء السبيل. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ لعن الذين كفروا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٣١