تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النحل: 112]. وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة الله فبدلتها كفرا فأحلوا قومهم دار البوار. ويرينا سبحانه القرى التي يلبسها الحق لباس الجوع والخوف. وعندما ننظر إلى قول الحق: " لباس " نرى أن الجوع له لذعة، واللباس له شمول ويلفهم الجوع كما يلفهم الثوب، وكذلك الخوف فتصير كل جارحة فيهم خائفة: أي أن الحق سلط عليهم الجوع فلا يجدون مواد الاقتيات. وكذلك الخوف يأتيهم فإما أن يكون الخوف بسبب بأسهم فيما بينهم لأن عداوة بعضهم بعضا شديدة، وإما أن يكون الخوف من عدو خارج عنهم. وهذا واقع معاصر. وكيف يكون الكفر بنعم الله؟ الكفر بنعم الله إما أن يكون بمعنى ستر النعمة. واستعمالها في معاصي الله، ومثله مثل الكفر بالله أي ستر وجود الله، وقد يكون الكفر بنعمة الله بالتكاسل عن استنباط النعمة من مظانها. وفساد العالم الآن يأتي من أناس كسالى عن استنباط نعم الله المطمورة في كونه، وأناس يجدون في استنباط نعم ويحبسونها لأنفسهم ولا يعطون منها الضعاف، ويستخدمون النعمة في المعاصي. إذن فقوله الحق:

ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون

[الأعراف: 96]. وقوله الحق: ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾. هم حكم عام فهل وجد من يؤديه؟. نعم هناك أناس منهم عرفوا ذلك وساروا إلى السبيل المستقيم، وعن هؤلاء يقول سبحانه: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ والمقتصد هو الذي يسير في السبيل القاصد، وهو السبيل المستقيم إلى الغرض فلا ينحرف هنا أو هناك. إذن قوله الحق: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾. أي منهم أمة تسير إلى أغراضها وإلى غايتها على الطريق المستقيم. وهذه إشارة إلى أن بعضا من أهل الكتاب يفعل ذلك، والبعض الآخر لا يفعل، وهذا القول أشار أيضا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يخلى وجوده وكونه من خلية خير فيه، وقد تكون خلية الخير هذه من أضعف الناس الذين لا شوكة لهم في الدنيا ولا جاه ولا قوة.

ولولا هؤلاء الناس لهد الله الأرض ومن عليها. ويوضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله:

" لولا عباد لله ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ثم رص رصا ".

كأننا مكرمون في هذا العالم من أجل الضعاف فينا. وكأن الحق لا يحجب الخير عن كونه، بل يجعل في الكون ذرات استبقاء للخير. ولذلك نجد من يقول: إذا بالغ الناس في الإلحاد زاد الله في المد. وقد تجد بلدا كلها من الملاحدة، وتجد فيها عبدا واحدا متبتلا لربه، ويكون هذا الرجل هو الذي يستبقي الله من أجله هواء تلك البلدة وماءها. ولذلك قال سبحانه: ﴿ منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون ﴾. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ يأيها الرسول... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤١٥