تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه

[الكهف: 29]. أي أنه قد وقع عليهم لون من العذاب يستدعي الإغاثة، ومن بعد ذلك يغاثوا لا بما ينقذهم ولكن بما يزيد عذابهم. وساعة يسمعون " يغاثوا " تنفرج أساريرهم وتسكن وتطمئن نفوسهم، وبعد ذلك يحدث الانقباض بسماعهم: ﴿ بمآء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ ، إذن فكلمة " مثوبة " تأتي لهم بشيء من الانبساط يتلوه العذاب. هذا. وإن أفعل التفضيل يأتي على صورة " أفعل " ، " أكرم " ، " أجود " ، " أشجع " فهذا لون من زيادة الصفة في طرف عنها في الطرف الآخر. اللهم إلا كلمات قليلة جاءت في اللغة على غير صيغة التفضيل منها كلمة " خير " وكلمة " شر " فلم تأت منها كلمة " أخير " بمعنى أكثر خيرا. ولا كلمة أشر بمعنى أكثر شرا، ومرة تأتي كلمة " خير " ويقابلها الخير الأقل. والذي يميز المعنى هو وجود كلمة " من " كقولنا: " فلان خير من فلان ". أما إن قيل: فلان خير " فمقابله هو " شر " لأنه لا توجد كلمة " أخير ". وهكذا نجد كلمة " خير " تأتي للوصف مرة وتأتي للمبالغة في الوصف مرة أخرى، والفاصل للتمييز بين الاثنين هو وجود " من ". فيقال: فلان خير من فلان ومثلها في ذلك كلمة شر، وقد ورد استعمال كلمة خير للتفضيل ولغير التفضيل في قوله تعالى:

يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم

[الأنفال: 70]. والحديث النبوي يقول:

" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ".

إن في كل مؤمن خيرا. ولكن في المؤمن القوي خير أكثر مما في المؤمن الضعيف. والمثال على أن كلمة " خير ". تقابل كلمة " شر " ، هو قول الحق:

ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم

[آل عمران: 180]. و " خير " هنا ليست أفعل التفضيل ولكنها للوصف العادي وإذا جاءت " من " تعرف أنها للتفضيل، وعدم الإتيان بلفظة " من " يدلنا على أنها للوصف العادي ومقابله كلمة " شر ". وهنا يقول الحق: ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾. وجاءت كلمة " بشر " هنا للتفضيل ولا يعني ذلك أن المؤمنين في " شر " ولكنها مجاراة للخصم. واعتبار أن ما يقوله الخصم مقبول جدلا. وهناك الأكثر شرا في الواقع وعند الله وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل ﴾ [المائدة: 60]. لماذا إذن يكون مصير هؤلاء إلى شر؟ لأنهم كرهوا سلوك المؤمنين ولم يستطيعوا أن ينفسوا عن الغل الذي في صدورهم بعقوبة المؤمنين. ولكن الله يكرههم ويملك لهم العقوبة ويكون مصيرهم هو المصير الذي يوضحه الحق في قوله: ﴿ لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ﴾ واللعنة هي الطرد من الرحمة. والطرد من الرحمة يعني حرمانهم من الخير. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يكون هناك خادم في خدمة إنسان ما وهو يسكن ويأكل ويلبس على حساب السيد، فإذا لم يؤد هذا الخادم حقوق الخدمة على وجهها المطلوب، لا يرضى عنه سيده، ويطرده من الخدمة، وحين يطرد الإنسان خادمه فهو يعلن للناس أن هذا الخادم لم يؤد حق الخدمة، فلا يستخدمه أحد بعد ذلك، وهذا هو الغضب. وبهذا نعرف الفرق بين أن يطرد من الرحمة فقط ولا يعقب ذلك شيء، أو أن يستمر الغضب بالإعلان عن السبب في الإخراج من الرحمة، فهذا معناه أن الله بعد أن طردهم يلاحقهم بغضبه وسخطه وأن لعنه لهم لا ينفك عنهم. والله سبحانه وتعالى يعلن لأهل الكتاب: إن طردي لكم من رحمتي وتواصل غضبي عليكم هو شر عظيم. وغضب الله - كما نعلم - يترتب عليه أشياء في كل حركة من حركات حياتهم، إنه يمنع الهدى أن ينفذ إلى قلوبهم، بأن يختم على قلوبهم فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر. أو أن يجعل منهم القردة والخنازير. وإن تساءلنا: كيف يكون نسلهم؟ نعرف أن الذي يمسخ لا يتناسل، إنه يمسخ إلى أن يرى مسخا ثم يؤخذ إلى الموت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٤٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٤٠٠