تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد رأينا منذ أعوام قليلة العجب العجاب، عندما ادعى أحدهم النبوة. وآمن به واتبعه عدد من الرجال والنساء. وكانت المرأة المتزوجة تدخل على هذا النبي المزيف لتقبله ويقبلها من شفتيها وأمام زوجها. أين نخوة الرجل - إذن - في مثل هذا الموقف؟ إنه التدليس الضال الذي يدعي لنفسه الهداية، إنها هداية إلى الجحيم. وهل تنبع تلك التيارات من الإسلام؟ لا، بل تأتي من قوم يبغضون الإسلام، ويصطادون الرجل الذي تظهر عليه المواهب والمخايل، ويقنعونه بأنه يمكن أن يلعب دور النبي المزيف. مثال ذلك الهندي ميزرا غلام أحمد الذي جاء بالقاديانية. ونعلم أن الإنجليز قد استعمروا الهند لسنوات طويلة، وكانوا يعتبرونها درة التاج البريطاني. ونعلم أن خصوم الإسلام وعلى رأسهم الاستعمار يحاولون أن ينالوا من الإسلام لأنهم رأوا أن التمسك بالدين أتاح للمسلمين فتح الأمبراطوريات لا بالسيف ولكن بحماية حق الاعتقاد. إذا كانت الدعوة قد نشأت في الجزيرة العربية فقد امتدت إلى آفاق الأرض. وانهزمت الفرس والروم أمام الذين يحملون راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". ومن بعد ذلك نجد أن الذين هزموا التتار هم المسلمون، وكذلك اشتعلت الحروب الصليبية في حملات متتابعة، ولكن المقاتلين تحت راية الإسلام أنزلوا بهم الهزيمة الضارية. إن الذي أرهق الاستعمار من الإسلام طاقة الإيمان والقتال في سبيله ولذلك جاء ميزرا غلام أحمد وحاول أن يضعف القدرة على الجهاد عند المسلمين، فقال: لقد جئت لكم لألغي الجهاد من العقيدة الإسلامية. وجرؤ ميزرا غلام أحمد، وأعلن إلغاء القتال. والحق يقول في كتابه الكريم:

كتب عليكم القتال وهو كره لكم

[البقرة: 216] وسبحانه بقدرته يمهل ولا يهمل. وجاء وباء الكوليرا في الهند سنة 1908 ليقضي على غلام أحمد وينهي تأكيدا لقوله الحق: ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ [المائدة: 54] وظهر أيضا في فارس وهي موطن سلمان الفارسي من ادعى لنفسه النبوة، وكان من الذكاء بحيث حاول التسلل إلى الإسلام لينقلب عليه من بعد ذلك، قال الرجل: أنا الباب ومن بعدي سيأتي المهدي. وعندما سأله الناس: وماذا تحمل من منهج؟ أجاب: جئت لأخفف عنكم بعض التكاليف لأن الإسلام صار بتكاليفه لا يناسب العصر. واتبعه أناس، وثار عليه أناس. ومن اتبعوه، ذهبوا إليه بغية تخفيف المنهج، ومن ثاروا عليه كانوا من القوم الذين يحبهم الله ويحبونه، وجاءوا له بالعلماء يناقشونه ويحاجونه فاعترف بأنه مخطئ وأعلن التوبة في المسجد الكبير. وعند ذلك تركه الناس. لكن هذا الرجل وجد من يلتقطه ليعيده إلى ضلاله وتضليله، التقطه قنصل روسيا في فارس، وهيأ له ملجأ، وأوعز إليه أن يعلن أن توبته إنما كانت هربا من القتل. واستطاع هذا الباب، واسمه علي محمد الشيرازي أن ينال دعاية واسعة وخاصة بعد أن انضمت إلى دعوته فتاة اسمها " قرة العين " وكانوا يلقبونها بالطاهرة.

ووقفت لتخطب خطبة في الناس. ومن يقرأ تلك الخطبة يعرف إلى أي انحلال كان يدعو ذلك الباب. وأعلنت هذه المرأة أن الإسلام قد انقضت مدته كدين، وأن الباب قد اختفى لفترة لأنه في انتظار شرع جديد، وأن العالم يمر بفترة انتقال، وصار ينزل المنهج الجديد على الباب. وقالت تلك " الطاهرة ": إن التشريع المختص بالمرأة، والذي جاء إلى الباب هو:

" المرأة زهرة خلقت لتشم ولتضم "

" فلا يمنع ولا يحد شامها ولا ضامها "

وما دامت المرأة زهرة إذن فهي تجنى وتقطف " وإلى الأحباب تهدى وتتحف.. إلى أن تقول في نهاية خطابها: لا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم!! ومن يرغب في أن يعرف مسلسل الفضائح الخلقية التي جاءت في خطاب " قرة العين " تلك فليقرأ كتاب " نقطة الكاف " للباب الكاشاني طبعة لندن صفحة 154. هذا ما جاء به الباب من بعد أن أعلن إلغاء الإسلام: لا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم فإنه الآن لا منع ولا حد، خذوا حظكم من الحياة، فإنه ليس بعد الممات شيء. وهذه خلاصة الانحلال الذي جاء به هذا المدعو بالباب، لقد أعلن أنه لا حساب ولا يوم آخر، وأن المرأة عرضها مشاع تضم وتشم. والغريب أن بعضا من المتزوجين قد اتبعوه. وقالوا عن أنفسهم: إنهم متدينون، لقد أخذوا ظاهر الأمر واعتبروا الفسوق الذي جاء به هذا الباب وأسموه دينا بعد أن سهل لهم بتعاليمه الفساد، فأخذوا الانحلال عن التكاليف، وادعو أن ذلك دين!! هكذا أراد خصوم الإسلام للإسلام. وقنصل روسيا القيصرية هو الذي شجع هذا الرجل وحماه في عام واحد وستين ومائتين بعد الألف من الهجرة. وبرغم ذلك حكم أهل فارس بإعدامه بعد موجة السخط العارم، ولم يستطع أن ينقذه أحد، وتم إعدامه فعلا. والذين قرأوا أقواله لحظة الإعدام عرفوا كيف أنه تذلل وخضع وبكى. ولو كان مبعوثا بحق من عند الله لما تذلل وخضع وطلب النجاة. ولامتلأ بالسرور والحبور لأنه ذاهب إلى الله. لقد عرف هذا الرجل الدجال إلى أي عقاب سيذهب لذلك بكى واسترحم. ولما قتل الباب، أعلن واحد من رجاله وهو ميرزا حسين أن الكتاب الذي جاء به الباب كتاب كاذب، وكان اسمه " البيان ". وقال ميرزا حسين علي: إنه جاء بكتاب اسمه " الأقدس ". كأن المسألة كلها خداع للناس وتبرير الخداع. ولو رجعنا إلى كتاب يسمونه " بهجة الصدور " لمؤلفه حيدر بن علي البهائي لوجدنا كل الانحرافات الممكنة، فالبهاء يقول: استر ذهبك وذهابك ومذهبك، أي لا تجعل أحدا يعرف ثروتك، ولا إلى أي مكان تذهب ولا تقل للناس: إنك بهائي حتى لا يقتلوك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٨٨