تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأقضية الموت في الوجود جعلها الله شائعة في كل زمن ولم يجعلها الحق بعد الميلاد. بمعنى أن يولد الإنسان ليموت من بعد ذلك، لا، فقد يموت الكائن البشري وهو جنين في بطن أمه فهذا حمل يسقط من بعد ساعة، وذاك حمل يسقط من بعد شهر أو شهور، وجعل الحق لنا ذلك لنأخذ من الأمر الغيبي وهو الجنين في البطن مراحل تكوينه. إنه يعطينا شكل الجنين بعد نصف ساعة من التكوين، ويعطينا شكل الجنين من بعد ساعة. وكل الأزمنة في الحياة والموت موجودة. وعندما نحلل تلك الأشكال نجد أمامنا كل أطوار الجنين، وكل أطوار الحياة ليكون ذلك واضحا جليا حتى لا يحسب أحد لنفسه عمرا في هذه الدنيا. ومادام الثمن الذي يأخذه المرتشون ليغيروا آيات الله وأحكامه سينفعهم في هذه الدنيا، وأعمارهم في هذه الدنيا محدودة، كان عليهم أن يتذكروا أن حياتهم زمنيا قليلة بالنسبة لعمر الدنيا. وحتى يقوم الإنسان بعملية اقتصادية لا بد أن يتعرف إلى أن عمره محدود بقدر سنوات مجهولة بالنسبة له في هذه الحياة، وهو عمر محدود مهما طال. وإن قارنها الإنسان بالحياة في العالم الآخر فسيجد أن عمره الدنيوي منهي، فإن قايضه بعمر غير منهي هو عمره في الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم لأن وجود الإنسان في الدنيا مظنون، ووجود الإنسان بالنسبة للآخرة متيقن. ونعيم الفرد في الدنيا هو على قدر إمكاناته ولو في السلب. ونعيم الإنسان في الآخرة ينسب إلى طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى. إذن فأي صفقة تكون هي الرابحة؟ محدود مقابل غير محدود، ومظنون مقابل متيقن، ونعيم على قدر مكنة وسلطان الفرد ولو بالسلب مقابل نعيم على قدر طلاقة قدرة الحق، أي صفقة هي الرابحة؟ إذن فصفقة الدنيا قليلة بالنسبة لما وعد الله به المتقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾. ماذا يعني الحكم بما أنزل الله؟. نعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل قضية مخالفة في الكون حكما، فإذا أردت أيها الإنسان أن تحكم في أمر فعليك أن تبحث عن جوهره بسلسلة تاريخ هذا الأمر. ونجد أن قمة كل الأمور هي العقيدة، وهو وجود الواجب الأعلى وهو الله، فإن حكمت بأنه غير موجود فذلك هو الكفر. وإن آمن الإنسان بالله ثم جاء إلى أحكام الله التي أنزلها وقال: لا، ليس من المعقول أن يكون الحكم هو هكذا. فهذا لون من رد الحكم على الله وهو لون من الكفر. أما إن آمن الإنسان بالحكم وقال: إنني أصدق حكم الله، ولكن لا أقدر على نفسي فهل هذا كفر؟ أم هذا ظلم؟. إنه ليس كفرا، ويكون ظلما إن كان حكما بين اثنين. وهو فسق إن كان بين الإنسان وبين نفسه لأنه يفسق عن الحكم كما تفسق الرطبة عن قشرتها.

فالفاسق هو من له إطار من التكليفات ويخرج عن هذا الإطار كالرطبة التي خرجت من قشرتها. ومادامت الرطبة قد خرجت من قشرتها فهي عرضة للتلوث. إذن فإن سمعت قول الله: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [المائدة: 44] وعندما تسمع:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 45] وعندما نسمع:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون

[المائدة: 47] فتذكر أحكام الله وحاول أن تقدر على نفسك. وقيل: إن ذلك لليهود لأن الحق قال: ﴿ إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ [المائدة: 44] وقيل: إن الثانية جاءت للنصارى الذين لم يحكموا بالإنجيل. ولنا أن نقول ردا على مثل هذه الأقوال: أمن الممكن أن يكون ذلك للأديان السابقة على الإسلام وليس موجودا بالإسلام؟ ذلك أمر لا يقبله العقل أو المنطق، فهي آيات نزلت في مناط الحكم عامة. فإن حكم إنسان في قضية القمة وهي العقيدة بغير الحق، فذلك هو الكفر. وإن رد الإنسان الحكم على منشئه - وهو الحق الأعلى - فهذا لون من الكفر. وإن آمن الإنسان بالقضية وهو مؤمن بالإله فغلبته نفسه فهذا هو الفسق. وإن حكم إنسان بين اثنين وحاد ومال عن حكم الله فهذا هو الظلم. إذن ف " كافرون " و " ظالمون " و " فاسقون " تقول لنا: إن الألفاظ اختلفت باختلاف المحكوم به. فلا يقولن أحد: إن تلك آية نزلت لتلك الفئة، وتلك الآية نزلت لفئة أخرى، وثالثة نزلت لفئة ثالثة، ولكنها أحكام عامة لمناط التكليف عامة. والحق قال في بداية كل حكم " ومن " ومن كما نعلم كلمة عامة. والدليل على ذلك أن من يحكم بغير ما أنزل الله إنما هو يشتري بآيات الله ثمنا قليلا ورد الحكم على الله. وقال الحق في الآية اللاحقة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٦١