تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاحكم بينهم بمآ أنزل الله

[المائدة: 48] لا تعارض. والبعض يقول: إن في قوله الحق: ﴿ فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ﴾ إلزاما. ونقول: المعنى الواضح هو أنك يا رسول الله، إن رجحت جانب أن تحكم وتقضي بينهم فاحكم بما أنزل الله، ولننظر إلى الأداء القرآني لأن المتكلم إله وحكيم: ﴿ فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾.

ونلحظ أن الأمر هنا جاء بطريقة تؤكد أن الإعراض ممكن لأنهم أرادوا أن يحكم لهم رسول الله على هواهم، وطمأنه الله بأنه سيحميه من شرهم إن أعرض عنهم، وكأن الحق يقول لرسوله: إياك أن تفكر حين تعرض عنهم أنهم سينالونك بالشر لأنك لم تحقق لهم التيسير الذي ابتغوه عندك ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾ وإياك أن تجعل الضرر منهم مرجحا للحكم فأنت بالخيار إما أن تحكم وإما أن تعرض. ولا تخش من شرهم لأن الذي أرسلك يحميك. ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ﴾ والحكم في هذه الآية يأتي كالقوس في البداية وفي النهاية، والحكم بينهم يكون بالقسط أي بالعدل. والعدل ليس كما يراه الهوى ولكن حسب ما أنزل الله. أي أن الله يحب الذين يزيلون الجور. ومادام الحكم بالعدل يأتي ليزيل الجور، فكأنه كان من قبل جور مقنن إذن ف " أقسط " أي أزال جورا مقننا وأعاد توازن الميزان ليعود الانسجام بين الإنسان والكون. والكون كله يسير بميزان الأرض تدور والشمس تؤدي مهمتها، ولا كوكب يصطدم بكوكب آخر:

وكل في فلك يسبحون

[يس: 40] فإن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية، فانظروا إلى الأمور الإجبارية التي حولكم، فإن كانت بنظام وميزان واعتدلت الأمور، اعدلوا - إذن - في إدارة شئونكم حتى تنسجموا كما انسجم الكون، ولذلك نقرأ قوله تعالى:

الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان

[الرحمن: 5-8] أمامكم الموازين العليا في الكون، ولا تستطيعون إفسادها لأنها تسير بنظام لا دخل لكم به لذلك عليكم أن تتعلموا منها وأن تديروا أمور حياتكم بميزان حتى تستقيم أموركم الاختيارية.

ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان

[الرحمن: 8-9] فإن رأيت حولك كونا غير مضطرب، وغير متصادم، ويؤدي حركته دون تعارض أو تصادم، فافهم أنه قائم على ميزان الحق، ووضع سبحانه لك ميزانا في الأمور الاختيارية، والمرجحات الاختيارية هي أحكام التكليف من الله، فإن أردت أن تستقيم لك الأمور الاختيارية فسر بها على الميزان الذي وضعه الله. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: ﴿ وكيف يحكمونك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٥٧