تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمحق الله الربا

[البقرة: 276] والربا في مفهومنا أنه زيادة، ولكن الحق أوضح لنا أنه ليس بزيادة لأنه يدخل ويستأصل ويأكل ويكحت أصل المال. وظاهر الربا وباطنه محق واستئصال. أما الزكاة فظاهرها نقص، ولكنها نماء، وبذلك نرى اختلاف مقاييس الخلق عن مقاييس الحق. والمثل الواضح: أن النفس تلتفت دائما إلى رزق الإيجاب، ولا تلتفت إلى رزق السلب. فرجل راتبه خمسمائة جنيه، وآخر راتبه مائة جنيه، صاحب الراتب البالغ الخمسمائة فتح الله عليه أبوابا تحتاج إلى ألف من الجنيهات، والذي يأخذ مائة جنيه سد الحق عنه أبوابا لا تأخذ منه كل راتبه بل يتبقى له عشرة جنيهات.

هناك - إذن - رزق إيجاب يزيد الدخل، ورزق سلب أن يسلب الحق عنك المصارف في المصائب والمهالك ويبارك لك فيما أعطاك. والسحت هو كل شيء تأخذه من غير طريق الحلال كالرشوة أو الربا أو السرقة أو الاختلاس أو الخطف. وكل أنواع المقامرة والمراهنة، كل ذلك اسمه سحت. ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهذا القول دليل على أن أذنهم اعتادت سماع الكذب ويقبلون عليه. وعندما نقول نحن في الصلاة: " سمع الله لمن حمده " ، أي أننا ندعو الله أن يقبل الحمد. وهم سماعون للكذب أي يقبلون الكذب. والسماع جارحة، والأكل بناء ما به الجارحة لأنه مقوم لها. مثلما يأكل لينمو، وإن كان ناضجا يحفظ له الطاقة والقدرة. فالنمو - إذن - معناه أن يدخل جوفه أكثر مما يخرج منه. وبعد فترة يدخل إلى جسمه على قدر ما يخرج منه، ثم الشيخوخة نجد فيها أن ما يخرج أكثر مما يدخل. وماداموا سماعين للكذب أكالين للسحت، فهم في بوار دائم، لأن أكل السحت حيثية من حيثيات الاستماع المصدق للكذب لأنهم قد بنوا ذرات أجسادهم من حرام، فكيف ترفض آذانهم الكذب؟ بل آذانهم تستدعي الكذب، وألسنتهم تحترفه. وعيونهم تستدعي المحارم، وأيديهم تستدعي السرقة، إنها الأبعاض التي بناها أصحابها من حرام. ولم يقل الحق عنهم: " سامعون " ، بل قال: " سماعون " أي جعلوا صناعتهم أن يتسمعوا، وهم الجواسيس، وإلا فإذا كان الأمر غير ذلك لكان كل من سمع كذبا يعد من هؤلاء. والقول مقصود به من جعل السماع صنعة له، ولا يجعل إنسان السماع صنعة له إلا إذا كان عينا لغيره، والعين للغير يتلصص على أمانة المجالس، ولكل مجلس أمانة. فإذا ما حضر إنسان مجلسا فليس له أن ينقل ما في ذلك المجلس إلى غيره إلا أن يكون ذلك هو صناعته، وتلك هي مهمته. ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهنا قضيتان. فهل السماع للكذب سببه أكل السحت، أم أكل السحت سببه السماع للكذب؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان من طينة الأرض وصوره على شكل آدم نفخ فيه من روحه، وحين صوره من طينة الأرض جعل كل مقومات حركة حياته من طبيعة طينة الأرض، فإذا ما أخذ الإنسان شيئا من حل، اعتدلت الذرات في نفسه على الهيئة التي خلقها الله. وإن تدخل فيها بحرام جعل في الذرات اختلالا تكوينيا. وهذا الاختلال التكويني هو الذي جعل آكل الحرام سماعا للكذب. ولو لم يكن فيه ذلك الاختلال التكويني الذي صنعه بنفسه لما سمع الكذب أبدا. أو أنه عندما أكل السحت صار سماعا للكذب. أو سمع كذبا فصار أكالا للسحت. ولنلاحظ أن الحق لم يقل: " آكل للسحت " ، ولم يقل: " سامع للكذب " ولكنه قال: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ أي أنهم تعودوا سماع الكذب وتعودوا أكل السحت، فالواحد منهم أخذ حراما من أول الأمر، وعندما صار أكالا وسماعا للكذب في آن واحد، اختلت ذرات تكوينه، ولم يعد في أعماقه نور ليرفض الكذب.

بل أقبل عليه، ويغريه الكذب ثانية بأن يأكل السحت، والأمر دائر بين سماع كذب وأكل سحت. وقضية الكذب هي قضية صراع الباطل مع الحق. ومادام الكذب غير مطابق لوازع كوني أو لواقع منهجي تكليفي فهذا يصنع خللا في الكون. وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا المثل في ذلك جاء بالمثل في أمر حسي حتى نراه جميعا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٣٥٥