كأن انطباعات الإنسان في نعم الله لا تنسى أبدا. وهي موجودة عند الإنسان، ولكنها تريد من الإنسان أن يستدعيها من الحافظة ويطلبها. ولنر دقة الأداء القرآني: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ سبحانه يقول هنا " نعمة " مع ان نعم الله كثيرة، ولكن الله قد آثر أن يأتي بالمفرد ولم يأت بالجمع. وذلك ليبين للإنسان أن أية نعمة في أية زاوية من حياة الإنسان تستحق أن يذكرها الإنسان فنعم الله كثيرة، ولكن ليتذكر الإنسان ولو نعمة واحدة هي نعمة الإيجاد من عدم، أو نعمة البصر، أو السمع. وكل نعمة من هذه النعم تستحق من الإنسان أن يتذكرها دائما، ولا تطرد نعمة نعمة أخرى، فما بالنا إذا كانت النعم كثيرة؟ ولو تمعن الإنسان في كل نعمة لاحتاجت إلى أن يتذكرها دائما، أو أن النعمة اسم للجنس كله لأن المفرد يطلق على كل الجنس، مثل الإنسان فإنها تطلق على كل فرد من أفراده مثل محمد وعلي وخالد. وكلمة " النعمة " قد تنسب إلى سببها كنعمة سببها مروءة واحد من البشر، وهي محدودة بمقدار الأثر الذي أحدثته. لكن نحن هنا أمام نعمة المسبب وهو الله، ولا بد أن تناسب نعمة الله جلال وجمال عظمته وعطائه. ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ﴾ و " واثق " تقتضي امرين: فالإنسان طرف الاحتياج والفقر والأخذ، والرب صاحب الفضل والعطاء والغنى، إنه هو الربوبية وأنت العبودية، وهو الحق القائل:
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم
[البقرة: 40] إذن ف " واثقكم " تعني التأكيد من طرفين لأن " واثق " على وزن " فاعل " ، ولا بد في " فاعل " أن تكون من اثنين. ومثال ذلك " شارك " تقولها لاثنين أو أكثر فنقول: " شارك زيد عمرا " وكذلك " قاتل زيد عمرا ". وحين يقول الحق: إنه " واثق عباده " أي أنه شاركهم في هذا الميثاق وقبله منهم. لكن أي ميثاق هذا؟ ونحن نعرف الميثاق الأول الذي هو ميثاق الذر:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
[الأعراف: 172] وهو ميثاق الفطرة قبل أن توجد النفس وشهواتها. وبعد ذلك هناك ميثاق العقل الذي نظر به الإنسان إلى الوجود واستطاع أن يخرج من تلك الرؤية بأن الوجود محكم ومنظم وواسع، ولا بد لهذا الوجود من واجد وهو الله. وبعد ذلك ميثاق الإيمان بالله، فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما عرض منهج الإسلام آمن به بعض الناس، أي أخذ منهم عهدا على أن ينفذوا مطلوبات الله، ألم يأخذ الرسول عهدا في العقبة حين قالوا له: خذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم - رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال:
" أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم "
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أبناء الحرب وأهل الحلقة السلاح ورثناها كابرا عن كابر. وحدث هذا - أيضا - عند بيعة الرضوان تحت الشجرة. إذن فمعنى " واثقكم به " إما أن يكون العهد العام الإيماني في عالم الذر، وإما أن يكون العهد الإيماني الذي جاء بواسطة الرسل. ﴿ وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ﴾ وحين يؤمن الإنسان يقول: سمعت وأطعت، وهكذا تنتهي مسألة التعاقد. ويتبع الحق ذلك بقوله: ﴿ واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ﴾. واتقوا أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، فالمطلوب منا أن نلتحم بمنهج الله إلتحاما كاملا، وعلينا كذلك أن نجعل بيننا وبين صفات غضب الله وقاية. وعرفنا أن قوله الحق: " اتقوا الله " متساو مع قوله: " اتقوا النار " ، وقد يقول قائل: وهل للنار أوامر ونواه؟ ونقول: أحسن الفهم عن ربك واجعل بينك وبين غضب الله وقاية، فالنار جند من جنود الله. وسبحانه يوضح: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية لأن الحق له صفات جلال هي الجبروت والانتقام والقهر، وللحق صفات جمال فهو الغفور الرحيم المغني، الحكيم إلى غير ذلك من صفات الجمال، إذن فلنجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية تقينا من جنود صفات الجلال ومنها النار. وقلنا من قبل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغنا أنه في الليلة الأخيرة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة. والنظرة السطحية تتساءل: ولماذا لم يقل: يتجلى الغفار بالمغفرة؟ ذلك أن الجبار صفة من صفات الجلال التي تقتضي معاقبة المذنب، والذنب متعلق بصفات الجلال لا بصفات الجمال، إذن فالمنطق يقتضي أن يقف المذنب أمام شديد الانتقام لأن المقام يناسب صفات الجلال، ولكن علينا أن نتذكر جيدا أن الله يرخي العنان للمذنب لعله يتوب، وأن الله يفرح بتوبة عبده وأن رحمته تغلب غضبه. ويذيل الحق الآية: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ والتقوى - كما نعلم - لا تنشأ من الأفعال المحسة المدركة فقط، بل تنشأ أيضا في الأحوال الدخيلة المضمرة. ومثال ذلك نية سيئة ونية حسنة. فالحقد، الحسد، التبييت، المكر، كل ذلك صفات سيئة فإياكم أن تقولوا إن التقوى للمدركات فقط بل للمحسات أيضا. وعمل القلوب له دخل في تقوى الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ يا أيهآ الذين آمنوا... ﴾.