تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالعين جارحة تكسب المرئي، والأذن جارحة تكسب المسموع. والأنف جارحة تكسب المشموم. واللمس جارحة لأننا نكسب بها الملموس. ويقول الحق سبحانه وتعالى:

وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار

[الأنعام: 60] و " ما جرحتم " أي ما كسبتم، إذن فالجارحة هي الكاسبة. وقوله الحق: ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ مقصود به الحيوانات التي نعلمها كيف تصطاد لنا، وسميت جوارح، لأنها كاسبة لأصحابها الصيد، فالإنسان يطلقها لتكسب له الصيد، أو أنها في الغالب تجرح ما اصطادته. وكلا المعنيين يصح ويعبر. والأصل في ما علم الإنسان من الجوارح هو الكلاب، وألحق بالكلاب غيرها مثل الفهود والنمور والصقور. والحق قال: ﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ﴾ أي ما بذلتم من جهد في تدريب هذه الجوارح للصيد، فالإنسان لا يطلق الكلب أو الصقر ليصطاد، لكنه يقوم - أولا - بتدريب الحيوان على ذلك. ومثال ذلك: عندما يقوم مدرب القرود بتدريب كل قرد على الألعاب المختلفة، وكذلك مدرب " السيرك " الذي يقوم بتدريب الأسود والفيلة، فهذا الفيل الضخم يقف بأربعة أرجل على اسطوانة قطرها متر واحد، وذلك كله ممكن بالتدريب بما علمكم الله وألهمكم أيها البشر وبما أعطاكم من طول البال وسعة الحيلة. وننتبه هنا إلى نقطة هامة: إن الإنسان يقوم بتدريب الحيوان على ألعاب ومهام مختلفة ولكن الفيل - على سبيل المثال - لا يقدر على تدريب ابنه الفيل الصغير على الألعاب نفسها. وهذا هو الفارق بين الإنسان والفيل، فابن الإنسان يتعلم من والده وقد يتفوق عليه، لكن تدريب الحيوان مقصور على الحيوان نفسه ولا يتعداه إلى غيره من الحيوانات من الجنس نفسه أو الذرية فلا يستطيع الحيوان الذي دربته وروضته وعلمته أن ينقل ذلك إلى ذريته ونسله فلا يستطيع أن يعلم ابنه. وكلمة " مكلب " تعني الإنسان الذي يعلم الكلاب ويدربها على عملية الصيد. وقال البعض: إن " مكلب " أي الرجل الذي يقتني الكلاب لكنا نقول: إن الإنسان قد يقتني الكلاب لكنه لا يقوم بتدريبها، إذن المكلب هو الذي يحترف تدريب الكلاب، ومثله مثل سائس الخيل الذي يدرب الخيل فالحصان يحتاج إلى تدريب قبل أن يمتطيه الإنسان أو قبل أن يستخدمه في جر العربات. ولماذا ذكر الله " المكلبين " ولم يذكر مدربي الفهود؟. لأن الغالب أن الكلب شبه مستأنس، أما استئناس الفهد فأمر صعب بعض الشيء. و " مكلبين " تعني المنقطعين لتعليم الكلاب عملية الصيد. ويعرف معلم الكلاب أن الكلب قد تعلم الصيد بأنه إذا ما أغراه بالصيد فإن الكلب يذهب إليه. وإذا ما زجره المدرب فهو يرجع من الطريق. وإذا ما ذهب الكلب إلى الصيد بعد تعليمه وتدريبه وأمره المدرب أن يحمل الصيد ويأتي فالكلب يطيع الأمر.

ويأتي بالصيد سليما ولا يأكل منه. فهذه أمارة وعلامة على أن الكلب تعلم الصيد ويمكن تلخيصها في هذه الخطوات: إذا أرسلته للصيد ذهب، وإذا زجرته انزجر، وإذا استدعيته جاء ويأتي بالصيد سليما لا يأكل منه. فإن أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لأنه أمسك الصيد على نفسه، ولم يمسكه على صاحبه. ولذلك حدد الحق عملية الصيد بقوله عن الحيوانات التي تؤدي هذه المهمة: ﴿ ممآ أمسكن عليكم ﴾. ومن ضمن عملية التدريب هناك إطار إيماني، فالتدريب العضلي هو عملية يعلمها المكلب للكلب، أما الإطار الإيماني فهو ذكر اسم الله على الصيد: ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ وذلك حتى يكون الصيد حلالا، ولا يقع في دائرة ﴿ ومآ أهل لغير الله به ﴾. وإذا ما هجم الكلب على الصيد وقتله، يكون الصيد حلالا، إن كان صاحب الكلب قد قال: " بسم الله والله أكبر " قبل أن يرسل الكلب إلى الصيد. وإن لم يذكر اسم الله فعليه أن ينتظر إلى أن يعود الكلب بالصيد، فإن كان في الصيد الحياة فليذكه أي يذبحه، ويذكر اسم الله، وإن مات الصيد قبل ذلك فلا يأكل منه. وكذلك إذا ما اصطاد الإنسان بالبندقية.. إن ذكر اسم الله أولا وقبل أن يطلق الرصاصة فليأكل من الصيد. ﴿ يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ﴾ هذه هي القضية العامة، ومن بعد ذلك يحدد لنا الحق ألا نأكل الكلاب، ولكن هذه الكلاب التي نعلمها الصيد وتصطاد لنا ما نأكله بشرط أن تذكر اسم الله على الصيد قبل إطلاق الكلب للصيد، أو بعد أن تذبح الصيد الذي اصطاده الكلب، فذكر اسم الله مسألة أساسية في تناول النعم، لأننا نذكر المذلل والمسخر، ولا يصح أن نأخذ النعمة من وراء صاحبها دون أن نتذكره بكلمة. ويذيل الحق الآية بقوله: ﴿ واتقوا الله إن الله سريع الحساب ﴾ وتقوى الله في هذا المجال تعني ألا يؤدي الإنسان هذه الأمور شكليا، وعلى المؤمن أن يتقي الله في تنفيذ أوامره بنية خالصة ودقة سلوك لأنه سبحانه سريع الحساب بأكثر من معنى، فمهما طالت دنياك فهي منتهية. ومادام الموت هو نهاية الحياة فالحياة قصيرة بالنسبة للفرد. وإياك أن تستطيل عمر الدنيا لأن عمر الدنيا لك ولغيرك فلا تحسب الأمر بالنسبة إليك على أساس عمر غيرك الذي قد يطول عن عمرك. إذن مدة الحياة محدودة، ومادام الموت قد جاء، فعلى المؤمن أن يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٦٣