تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن كل معربد سوف يرى مصير معربد سبقه. كذلك الذين يتمتعون بثمرات الإثم في هذه الدنيا يجب أن يفطنوا إلى نفوسهم قبل أن يفوتهم الأوان، المعذور فقط هم الأطفال الذين لا نضج لهم ولا دراية لأنهم يعيشون من أموال الإثم. لكن ما إن يبلغ الولد الرشد وكذلك البنت ثم ترى مالا يتدفق عليها من مصادر غير حل، عليها أن تستحي من شراء " فستان " من هذا المال أو أن تأكل منه لقمة خبز، وليفطن الإنسان أن الله قد أباح للإنسان أن يسأل عن مصدر المال حتى لا يأخذ لنفسه من المال الموبوء الخبيث. وأن يسأل الإنسان الصدقة خير من أن يصرف على نفسه مالا موبوءا. ولن يترك الحق مثل هذا الإنسان سائلا أبدا. وليكتب كل واحد منكم هذا القول الكريم أمامه: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾. وليجعلها ميزانا يزن بها صور الذين يراهم في الكون حتى ولو كانت صورة سائق التاكسي الذي يدلس على رجل وامرأة في طريق مظلم ويأخذ أجرا على هذا، ليحسب هذا الرجل النقود التي ستأتي من هذا الباب، وليحسب النقود التي ستخرج على ألم فيه، أو ألم فيمن يرعى من ولد أو بنت. ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ وصور العدوان شتى يعاني منها المجتمع وتهزه بعنف، عدوان على الوقت لأن الإنسان يأخذ أجرا على العمل ولا يقوم به، وعدوان يضر به إنسانا بأن يأخذ حقه أو أن يرتشي، كل ذلك عدوان. وحتى يصير المجتمع مجتمعا إيمانيا سليما لا بد أن يحافظ على قضية الاستخلاف في الأرض، وأن يعلم أن هذا يقتضي عمارة الكون وعدم الإفساد فيه. ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ فكأن هذه المخالفات السابقة التي تحدث هي نتيجة عدم التعاون على البر، ونتيجة التعاون على الإثم والعدوان، ولهذه المخالفة عقاب شديد، أما التقوى فمعناها أن نفعل ما أمر به الله أن نفعله، وأن ننتهي عما نهى الله عنه، فلا ننقل فعلا من دائرة " لا تفعل " إلى دائرة " افعل " وكذلك العكس. وبذلك نجعل بيننا وبين الجبار وقاية. وبعض السطحيين قد ينظر إلى بعض من آيات القرآن ويقول: إن بها تناقضا فيقولون: بعض من آيات القرآن تقول: ﴿ اتقوا النار ﴾ ، وبعض الآيات تقول: ﴿ اتقوا الله ﴾ فهل للنار وقاية؟ وهل لله وقاية؟ وهؤلاء لا يفهمون أن " اتقوا " تعني: اجعل وقاية بينك وبين ما يؤذيك ويتعبك، ف ﴿ اتقوا الله ﴾ تعني اجعل بينك وبين عقاب الله وقاية وهي الدرع التي يقيمها الإنسان بتنفيذ أوامر الله ب " افعل " والامتثال لنواهي الله ب " لا تفعل ".

وعندما تجعل بينك وبين الله وقاية، فأنت تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، وهكذا تتساوى " تقوى الله " مع " اتقاء النار ". ويذيل الحق الآية ﴿ إن الله شديد العقاب ﴾. إن ما يجعل الناس تتهاون في التعاون على البر ويجترئون على الإثم أنهم لا يجدون من مجتمعاتهم رادعا، ولو وجدوا الردع من المجتمع لحمى المجتمع أفراده من الإثم. وإن صار للمجتمع وعي إيماني لقاطع المخالفين وأشعرهم بأنهم منبوذون، وساعة يرى أمثال هؤلاء الناس أنهم منبوذون من المجتمع الإيماني فهم يرجعون إلى المنهج الحق. فما يغري الناس على الجرائم الكبيرة إلا تهاون المجتمع في الجرائم الصغيرة. ولذلك يلفتنا الحق أنه لن يترك الأمر كما تركه بعض من خلقه لأن الخلق قد يجاملون وقد لا يقفون أمام ما يفعله بعضهم من آثام، لكن الله شديد العقاب، سيأتي العقاب في وقت ليس للفرد فيه جاه من مال أو حسب أو نسب يحميه من الله، فإن أطمعك ضعف المجتمع في أن تتعاون على الإثم فعليك أن تخاف الله لأن عقابه شديد. وكيف يأتي العقاب إلى المذنب؟ لا نعرف لأننا لسنا آلهة، ونجد العقاب يتسلل إلى المذنب في نفسه كمرض مؤلم لا يصرف المذنب فيه ما عنده من مال فقط، لكنه قد يسأل الناس ليعالج نفسه، أو يعالج من يحب. وجنود عقاب الله قد لا تتأخر للآخرة بل تتسلل إلى حياة المذنب دون أن يعرفها وهذه هي شدة العقاب. وبعد ذلك يأتي الحق بأمر تحريم أشياء بعد أن حلل الله أشياء في قوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين تخصيصا لما أحل من الأنعام.. فقد حلل الله من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين. وألحق الرسول بها الظباء وبقر الوحش، وكل ذات أربع من حيوان البحر، وكان قول الله: ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ مؤذنا بأن هناك تحريما قادما سيأتي، ويبين الحق بالقرآن ما يحرمه الله: ﴿ حرمت عليكم الميتة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٥٤