ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين
[الأنعام: 143] وكذلك قول الرحمن:
ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين
[الأنعام: 144] إنها ثمانية أزواج ثم ألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الظباء وحمر الوحش، ولم يحرم إلا كل ذي ذنب كالسباع وكل ذي مخلب من الطير، ولو لم يقيد الله هذا التحليل لانصرف بدون قيد، ولأسأنا إلى أنفسنا بأكل الميتة والموقوذة والمتردية، ولكن الحق أنقذنا من ذلك وحرم علينا تلك الأشياء الضارة. ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ إذن فمن حق الله عليكم أيها المؤمنون أن توفوا بالعقود لأنه قدم لكم الكون بكل أجناسه وكل عناصره لخدمتكم. وأحل أقرب الأجناس إلى الإنسان لما فيه من حياة وحس وحركة، فيقول: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ﴾ ولو لم يضع الحق ذلك التشريع لأكل الإنسان - وهو محرم - بهيمة الأنعام، وقد حرم سبحانه الصيد في اثناء الإحرام، وكذلك في حمى الحرم. والحرم - كما نعلم - مركزه الكعبة، وحول الكعبة المسجد. وتختلف مناطق الإحرام وتسمى الميقات المكاني، فالميقات المكاني للحج والعمرة لمن كان خارج الحرم ذو الحليفة وذلك للمتوجه من المدينة وهي آبار علي، والجحفة وهي الآن رابغ للمتوجه من مصر والشام المغرب، ويلملم للمتوجه من تهامة، وقرن المنازل للمتوجه من نجد اليمن ونجد الحجاز، وذات عرق للمتوجه من المشرق والعراق وغيره.
أما الميقات المكاني للحج لمن بمكة فهو مكة نفسها، أما ميقات العمرة المكاني لمن بالحرم فهو الخروج لأدنى الحل وهي الجعرانة ثم التنعيم مسجد عائشة ثم الحديبية. والميقات الزماني للحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، أما ميقات العمرة الزماني فهو جميع السنة إلا إذا كان محرما بحج أو بعمرة أخرى أو كان ذلك قبل النفر لانشغاله بالرمي والمبيت فيمتنع الإحرام بها. والتنعيم والجعرانة والحديبية، تلك هي حدود الحرم. والصيد في حدود الحرم حرام، وفي كل زمان وعلى كل إنسان، أما في غير الحرم، فالصيد حرام لمن كان محرما فقط، وغير المحرم من حقه الصيد. وبذلك يؤدب الحق سبحانه وتعالى خلقه ويجعلهم على ذكر دائم للمنهج فيأتي لهم في مكان ويقول لهم: الصيد محرم في هذا المكان، والطعام والشراب محرم في هذا الزمان كصوم رمضان. وعدة الشهور عندنا كمسلمين اثنا عشر شهرا. أربعة منها حرم. ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وفي الميقات يحرم الصيد على الحاج فقط، وهذا انضباط إيماني. وعندما يأتي الإنسان إلى الميقات فهو يحرم، أي يغير وضعه ويلبس لباسا خاصا بالحج، يلبسه كل الناس ليكون الكل سواسية لأن الناس إنما يميزون بهندامهم وهيئاتهم، فيأمر سبحانه أن يطرح الإنسان هذا التمايز من فور الإحرام. وما كان من الحلال أن يفعله المسلم قبل الميقات وقد منعه الإسلام منه لا يجرؤ على أن يفعله بعد الميقات والإحرام. ويستطيع المسلم قبل الميقات أن يحلق ويتطيب ويصطاد ويقطع من النبات لكنه ما إن يبدأ الإحرام يمتنع عن ذلك حتى يستعد لما يشحن أعماقه بالوجود مع المنعم لا مع النعمة، هذا هو التهيؤ للدخول إلى بيت المنعم، ولذلك يضع المسلم النعمة على جانب ليبقى مع المنعم. ويمنع الإنسان أن يصيد في الحرم محرما كان أو غير محرم ليشعر الكل أن الحرم لله فقط. وتستعد كل النفوس للقاء المهابة. ويمتنع الإنسان من أول الميقات عن أشياء كثيرة بداية من الصيد والاستمتاع بالحقوق الزوجية ثم يدخل منطقة يحرم فيها الصيد على كل الناس كرمز للمهابة. ويحج المسلم في حياته مرة واحدة كأداء للفريضة وفي كل مرة تحج وتقصد بيت ربك يوضح الله لك فيها: لا تنشغل بالنعم لأنك ذاهب إلى المنعم، ويمحو سبحانه بالحج كل الذنوب. ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإن أردناها محرمين فهي صحيحة، وإن أردناها للحرم فهي صحيحة لأن الصيد محرم في منطقة الحرم للحاج أو لغيره. ويذيل الحق الآية: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ وسبحانه بدأ الآية بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ هكذا نرى أن التذييل منطقي يتفق فيه آخر الآية مع صدرها لأن الله حين يخاطب المؤمنين الذين آمنوا به، فمن لوازم الإيمان أن ينفذوا حكم الله الذي آمنوا به ومادام المؤمن قد آمن بالله إلها فليتجه إلى ما يريده الله من أحكام ليفعلها لكن عمومية الآية قد تجعل واحدا يعزل عجز الآية عن صدرها، رغبة في التشكيك في الإسلام، فيقول: إن الله يقول إنه يحكم ما يريد، وقد أراد من الناس من يؤمن ومن لا يؤمن، فكيف يقول: ﴿ يحكم ما يريد ﴾ ، بينما لا يؤمن الكل؟.