هؤلاء المسلمون مع محمد صلى الله عليه وسلم جاءوا إليكم وقد أنهكتهم حمى يثرب، فلو ملتم عليهم لاستأصلتموهم، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الموقف خطيرا جدا وحرجا حيث لا مدد للمسلمين ولا سبيل للانسحاب ولا بد لهم من إتمام العمرة.
فكان التصرف الحكيم، أن يعكسوا على المشركين نظريتهم ويأتونهم من الباب الذي أتوا منه.
فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
" أروهم اليوم منكم قوة "
فهرولوا في الطواف وأظهروا قوة ونشاطا مما أدهش المشركين حتى قالوا: والله ما هؤلاء بإنس إنهم لكالجن " ، وفوتوا عليهم الفرصة بذلك وسلم المسلمون.
فهو أشبه بموقف موسى من فرعون، فنجى الله رسوله صلى الله عليه وسلم من غدر قريش فكان هذا العمل مخلدا ومشروعا في كل طواف قدوم حتى اليوم، مع زوال السبب حيث هرول المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين.
قال العلماء: بقي هذا العمل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، وتذكروا ولهذا الموقف وما لقيه المسلمون في بادئ الدعوة.
وجاء السعي والهرولة فيه لما فيه من تجديد اليقين بالله، حيث تركت هاجر، وهي من سادة المتوكلين على الله والتي قالت لإبراهيم:
اذهب فلن يضيعنا الله. تركت حتى سعت إلى نهاية العدد، كما يقول علماء الفرائض وهو سبعة.
إذ كل عدد بعده تكرار لمكرر قبله، كما قالوا في عدد السماوات والأرض وحصى الجمار وأيام الأسبوع، إلخ.
وذلك لتصل إلى أقصى الجهد وتنقطع أطماعها من غوث يأتيها من الأرض، فتتجه بقوة اليقين وشدة الضراعة إلى السماء وتتوجه بكليتها، وإحساسها بقلبها وقالبها إلى الله. فيأتيها الغوث الأعظم سقيا لها وللمسلمين من بعدها.
فكان ذلك درسا عمليا ظل إحياؤه تجديدا له.
وهذكا النحر، وقصة الفداء لما كان فيه درس الأمة لأفرادها وجماعتها في أسرة كاملة. والد ووالدة، وولد كل يسلم قياده لأمر الله، وإلى أقصى حد التضحية حينما قال إبراهيم لإسماعيل ما قصه تعالى علينا
يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى
[الصافات: 102].
إنه حدث خطير وأي رأي للولد في ذبح نفسه، ولكنه التمهيد لأمر الله، فكان موقف الولد لا يقل إكبارا عن موقف الوالد:
يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين
[الصافات: 102] ولم يكن ذلك عرضا وقبولا فحسب، بل جاء وقت التنفيذ إلى نقطة الصفر، كما يقال:
والكل ماض في سبيل التنفيذ،
فلمآ أسلما وتله للجبين
[الصافات: 103] يا له من موقف يعجز كل بيان عن تصويره ويئط كل قلم عن تفسيره، ويثقل كل لسان عن تعبيره، شيخ في كبر سنه يعمل سكينا بيده ويتل ولده وضناه بالأخرى، كيف قويت يده على حمل السكين، وقويت عيناه على رؤيتها في يده، وكيف طاوعته يده الأخرى على تل ولده على جبينه؟
إنها قوة الإيمان وسنة الالتزام، وها هو الولد مع أبيه طوع يده، يتصبر لأمر الله ويستسلم لقضاء الله ﴿ ستجدني إن شآء الله من الصابرين ﴾ والموقف الآن والد بيده السكين، وولد ملقى على الجبين، ولم يبق إلا توقف الأنفاس للحظة التنفيذ، ولكن رحمة الله أوسع وفرجه من عنده أقرب،
وناديناه أن يإبراهيم قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين
[الصافات: 104-105].
فكانت مناسبة عظيمة وفائدتها كبيرة خلدها الإسلام في الهدى والضحية.
وفي رمي الجمار، إلى آخره، وهكذا كلها في مناسك وعبادة وقربة إلى الله تعالى في تجرد وانقطاع، ودوام ذكر لله تعالى.
وهناك أحداث جسام ومناسبات عظام، لا تقل أهمية عن سابقاتها، ولكن لم يجعل لها الإسلام أي ذكرى، كما في صلح الحديبية.
لقد كان هذا الصلح من أعظم المناسبات في الإسلام، إذ كان فيه انتزاع اعتراف قريش بالكيان الإسلامي ماثلا في الصلح والعهد الذي وثق بين الطرفين وقد سماه الله فتحا، كما قال تعالى: